حوادثمقالات الرأي

تقييد الأحكام والعقود الصادرة بالخارج

لا يوجد نص قانوني يستثني الأحكام الصادرة عن المحاكم الأجنبية من إمكانية تذييلها بالصيغة التنفيذية (الحلقة الثانية)

إن التذييل بالصيغة التنفيذية يستلزم تطبيق مقتضيات الفصول 430، 431 و 432 من قانون المسطرة المدنية، حيث نص الفصل 430 من ق م م على أنه:” لا تنفذ في المغرب الأحكام الأجنبية إلا بعد تذييلها بالصيغة التنفيذية من قبل المحكمة الابتدائية لموطن أو محل إقامة المدعى عليه أو لمكان التنفيذ عند عدم وجودها. ومن جهة أخرى يجب على المحكمة المختصة التي قدم لها طلب التذييل بالصيغة التنفيذية أن تتأكد من صحة الحكم واختصاص المحكمة الأجنبية التي أصدرته وأن تتحقق أيضا من عدم مساس أي محتوى من محتوياته بالنظام العام المغربي.

2 عدم قبول التذييل بالصيغة التنفيذية
على هذا الصعيد نجد عدة قرارات قضائية رفضت الاستجابة لطلب التذييل بالصيغة التنفيذية لولا اجتهادات محكمة النقض حاليا التي نقضت عدة قرارات صادرة عن محكمة الاستئناف ، نذكر منها على سبيل المثال:

1 – قرار المجلس الأعلى عدد : 180 بتاريخ 24-04-2003 ملف عدد : 277/2/99؛
حكم أجنبي – التطليق – تذييله بالصيغة التنفيذية؛
“…لا تنفذ في المغرب الأحكام الصادرة عن المحاكم الأجنبية إلا بعد تذييلها بالصيغة التنفيذية من قبل المحكمة الابتدائية لموطن أو محل إقامة المدعى عليه أو لمكان التنفيذ عند عدم وجودهما.
لا يوجد نص قانوني يستثني الأحكام الصادرة عن المحاكم الأجنبية في قضايا الأحوال الشخصية من إمكانية تذييلها بالصيغة التنفيذية متى تحققت الشروط المنصوص عليها قانونا. إن رفض المحكمة تذييل الحكم بالتطليق بالصيغة التنفيذية لمجرد أنه صدر عن قضاة غير مسلمين دون أن تبحث في الشروط المنصوص عليها قانونا يجعل قضاءها غير مؤسس”.

2 – حكم للمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء عدد 840 بتاريخ 07-06-2004؛
“…وحيث أن الحكم المذكور بإلزامه للزوج بأدائه نفقة الزوجة رغم أنه قضى بإنهاء العلاقة الزوجية بينهما يكون مخالفا للنظام العام المغربي، ذلك لأن الزوجة إنما تستحق نفقتها الواجبة على زوجها مادام أن العلاقة الزوجية قائمة بينهما، وحيث طالما أن الحكم الأجنبي المطلوب تذييله بالصيغة التنفيذية مخالف للنظام العام المغربي فإن الطلب غير ذي أساس ويتعين التصريح برفضه”. بمعنى أن الزوجة لا يمكنها إطلاقا الاستفادة من هذه الأحكام الأجنبية ولا حق لها في طلب حجز تحفظي على ممتلكات طليقها بالمغرب لضمان مستحاقتها.

يتجلى من هذين القرارين وباقي الاجتهادات القضائية أن قضاة الدرجة الأولى والدرجة الثانية غالبا ما تواجههم صعوبات في استيعاب القوانين الأجنبية والإحاطة بها وفهمها واتخاذ القرار الصائب بشأنها، فتكون قناعتهم إما صائبة ولا مجال للمراجعة والإلغاء، وإما تكون غير مرتكزة على أسس قانونية فتصححها محكمة النقض. كل هذا للقول بأن هذا المجال يقتضي الجهد الكبير والحنكة اللازمة لإصدار أحكام وجيهة ومنطقية. هذه الصعوبات لا تقتصر على القضاة فحسب بل حتى على المحافظين والموثقين والعدول والمحامين والباحثين والكتاب وغيرهم.

3 مراقبة الوثائق والأحكام من طرف المحافظ
من المعروف أن خصوصيات قانون التحفيظ العقاري وقوته تتجلى في المبادئ والأسس التي يرتكز عليها نظام السجل العيني الهادفة إلى تأمين الإستقرار في الملكية العقارية والحقوق العينية، وذلك بإعطاء الثقة المطلقة للتقييدات التي تدفع عنها أي هجوم وتؤمنها من المنازعات والمفاجآت الأليمة، مما يبرز بدون شك أهمية نظام السجل العقاري ذي القيمة الحقيقية والقوة الثبوتية التي تتمتع بها التقييدات المضمنة به.

لا يجادل أحد في أن هذه الوثائق ليست سهلة المنال ولا من باب المحال، بل بعد التدقيق والفحص العميق والاطلاع على القوانين المنظمة لهذا النوع من القضايا وما يرتبط بها من نصوص تنظيمية ودوريات وفقه واجتهادات قضائية، يصل المحافظ إلى الحل المناسب. وقد تسهل عليه مهمته في حالة ما إذا رفض القضاء التذييل بالصيغة التنفيذية للحكم الأجنبي لسبب من الأسباب الواردة في الفصلين 430 و432 المذكورين أعلاه، لأنه لا يقيده بالسجلات العقارية في غياب ما يفيد تذييله بالصيغة التنفيذية.
هذه المراقبة ليست مراقبة عادية وإنما مراقبة ذات خصوصيات تجعل من المحافظ شبه قاض يبت في كل قضية بعد البحث والتحري إلى أن تتكون له صورة كاملة تجعله مقتنعا وله اليقين بأن ما سيتخذه من قرار هو القرار الصائب. وللمزيد في تعريف مراقبة العقود والأحكام سواء داخلية أو أجنبية نجد هذه المراقبة مستمدة من القانون منحها المشرع للمحافظ العقاري، مع قليل من السلطة التقديرية في بعض الحالات. هذه المراقبة الدقيقة من طرف المحافظ، نجد لها مصدرا قانونيا يتجلى من الفصول 72، 73، 74، 91، 96 و97 من قانون التحفيظ العقاري.

4 القوة الثبوتية للتقييدات والأثر المنشئ للحق
إذا اقتنع المحافظ واتضحت له الرؤية، وتبين له أن كل الوثائق المطلوبة قانونا وحتى عرفا قد توصل بها ودرسها يأمر بإيداعها بالسجلات العقارية بعد أداء وجيبات التقييد أو التشطيب. بعد التقييد يصبح الحق في وضعية جد متميزة تنضاف للحكم القضائي أو الوثيقة. وهذه خاصية من خصائص ظهير التحفيظ العقاري، ذلك أن الحق المقيد له قوة ثبوتية، وأن المراقبة التي قام بها المحافظ قبل تقييده كانت بمثابة حكم نهائي. هذا الحق المحمي بالسجلات العقارية قد يكون مصدره وثيقة أو حكم مستوف لكافة الشروط الشكلية والجوهرية، فيبقى الحق محصنا إلى أن يطرأ عليه طارئ رضائي أو قضائي. هنا تكون مسؤولية المحافظ بعيدة عن كل مساءلة وكل ما اتخذه في هذا الباب من تقييدات أو تشطيبات في السجلات العقارية كان صائبا وصحيحا. لكن قد تتأثر القوة الثبوتية للتقييدات أو تهدم بصفة كلية في حالة الإبطال والبطلان. هذا الإشكال يطرح في حالة الخطأ الشخصي للمحافظ أو الخطأ المرفقي. وقد يطرح هذا المشكل رغم عدم وجود أي خطأ من طرف المحافظة، ويتجلى ذلك في اكتشاف التزوير واستعماله في محررات رسمية واردة من الخارج.

لو افترضنا أن الحكم أو العقد الأجنبي تم تقييدهما بالسجل العقاري بعد تذييلهما بالصيغة التنفيذية، وبعد ذلك تم تقييد بيع جديد للحق نفسه، أو أن العقد متسم بالزور أو أن الحكم المذيل بالصيغة التنفيذية استعصى على القضاء كشفه والمحافظ التنبؤ به، والموثق أو العدل أو المحامي الوقوف عليه، وتم تقييده ثم لجأ من يهمه الأمر إلى تفويت العقار المعني إلى شخص جديد ذي النية الحسنة.
* موثق بالبيضاء

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق