fbpx
بانوراما

وليلي… أقدم حاضرة موريتانية

مدن انقرضت 2
تعاقبت على مر التاريخ الكثير من الحضارات على أرض المغرب، فكانت مختلفة في كثير في ثقافتها وتطورها وتنظيمها وتركت أثرها في جبين الحكاية المغربية، إلا أن شيئاً واحداً كان مشتركاً بينها جميعاً، هو الزوال.
عبر هذه الحلقات تستعيد “الصباح” أهم المدن المغربية القديمة التي لم يعد لها ذكر إلا في بطون كتب التاريخ،
وما زالت أطلالها شاخصة بعد أن عفا عليها الزمن وتركها البشر.
لم تتمكن الحفريات من كشف كل ما تزخر به من أسرار
تقع ولّيلي أو فولوبيليس، أقدم موقع أثري بالمغرب، في سفح جبال مدينة مولاي إدريس زرهون، مؤسس دول الأدارسة بالمغرب، وقد سميت باسمه واحتضنت قبره. وتبعد زرهون عن مكناس بعشرين كيلومترا في الطريق الشمالية المؤدية إلى شفشاون.
وأثبتت تنقيبات أثرية منذ بداية القرن العشرين، أن أصول وليلي القديمة تعود على الأقل إلى القرن الثالث الميلادي، وكانت أقدم حاضرة موريتانية، نسبة للمملكة الموريتانية الطنجية التي حكمت المغرب قبل المملكة الرومانية. ثم صارت انطلاقا من 40 ميلادية بلدية رومانية إلى أواخر القرن الثالث.
وتراجع إشعاع المدينة كثيرا وتقلصت حدودها بعد ذلك، إلى أن جاءها المولى إدريس الأكبر واستقر بها سنة 789 للميلاد.
وعرفت وليلي أقصى توسع لها بـ 42 هكتارا بين 168 و169 ميلادية، حين أحيطت بسور كبير ذي أبراج شبه دائرية تخترقه سبعة أبواب. وازدانت منذ الحقبة الموريتانية بمآثر جميلة تعتبر المعابد أكثرها شهرة.
وبعد التحاقها بالإمبراطورية الرومانية شيدت فيها صروح منيفة مثل مبنى البازيليك ومقر الحاكم وقوس النصر، وخصصت مساحة هامة لحي سكني بدور جميلة وفسيحة مزخرفة بالفسيفساء والنقوش.
وتضم المدينة، حمامات رومانية شعبية وأخرى خاصة بطبقة الأسياد، ومعابد من أشهرها معبد “الكابتول” الذي أنشئ سنة 217 م، وقوس النصر الذي أقيم احتفاء بأحد قادة المدينة وحكامها، إلى جانب محكمة وساحة عمومية شاسعة، كان سكان وليلي يتداولون فيها على غرار الإغريق والرومان شؤونهم العامة وقضاياهم، ويعرضون فيها منتجاتهم وسلعهم. كما تحوي المدينة عددا وافرا من معاصر زيت الزيتون، أحد أكثر المواد استهلاكا ورواجا بالمنطقة، ومطاحن للحبوب وقصورا وبيوتا مزينة بنقوش رومانية وأمازيغية رفيعة.
المدينة محاطة بحقول خصبة، وبمزارع لأشجار الزيتون، ومياه عذبة جارية طوال أيام السنة لقربها من منابع طبيعية عدة كوادي “الخمان” ووادي “فرطاسة”، ومسيجة بسور يضم ثمانية أبواب، تعد منافذ المدينة ومغالقها، شاهدة على فاصل حياة صاخبة عاشها الأمازيغ القدامى أيام حكم “الدولة الموريتانية”، وأخرى تُحاكي نمط العيش الروماني الباذخ خلال حكم الإمبراطورية الرومانية للمدينة إلى حدود أواخر القرن الثالث ميلاد، وستتقلب بعدها “وليلي” في منازل عدة، خلال فترات حكم مختلف المماليك والإمبراطوريات التي بسطت سيطرتها على المغرب.
قبل أن تُقام غير بعيد عنها “مدينة زرهون” النواة لأول دولة تدين بالحكم الإسلامي في المغرب سنة 789 ميلادية، وينطلق مؤسسها “إدريس الأول” القادم من المشرق العربي، فارا من ملاحقة العباسيين ومن بعده خلفه “إدريس الثاني” في إنشاء مدينة فاس المغربية، ويختارها عاصمة لملكه، ليخفت وهج “وليلي” كمستقر وعاصمة لكل الأقوام الذين عاشوا بالمغرب الأقصى، ويتوالى بناء الحواضر بعيدا عن “وليلي”، دون أن تفقد هذه المدينة صيتها كإحدى أعرق مدن المغرب القديم.
ولم تتمكن الحفريات من كشف كل ما تزخر به من بنايات، فما تزال مساحة 16 هكتارا تنتظر استخراج خزائنها ونفائسها لإلقاء الضوء على تاريخ المغرب القديم.
عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق