fbpx
بانوراما

“كوك دور”… “كباري” ألف ليلة وليلة

فضاءات بيضاوية أسطورية 6
لم تكن البيضاء مثلما هي عليه اليوم. مدينة غول، “يتقاتل” سكانها كل يوم، من أجل لقمة عيش مغموسة بكثير من العرق والذل. لم تكن هي هذه المدينة التي لا مساحة للجمال والثقافة والحضارة فيها بعد أن حوّلها أباطرة العقار إلى “بيدونفيل” ضخم، عشوائي وخانق. في هذه الحلقات، نعود بالزمن إلى الوراء، من خلال سلسلة حلقات حول بعض الفضاءات الأسطورية للبيضاء، التي شكلت مفخرة سكانها عبر السنوات، معتمدين، في هذه الرحلة النوستالجية، على ما جاء حولها في كتب ومقالات ومجلات، وعلى وثائق زودتنا بها جمعية “كازا ميموار”، ومستعينين أيضا بقصص وحكايات بيضاويين أقحاح.
نورا الفواري
غنت فيه وردة وفويتح والحمداوية وكان قبلة عائلات بيضاوية كبرى
قرر سليم الهلالي، الفنان الجزائري الشهير، الاستقرار في المغرب في 1949، وذلك بعد سنوات من العمل في “كباريهات” باريس، حيث كان يملك ملهى ليليا بشارع مونتين باسم “إسماعيلية فوليز”، كان قبلة لكبار الشخصيات، من بينها الملك فاروق وحاشيته، وكان مكانهم المفضل للسهر.
اختار الهلالي، ابن عنابة، العاشق للمغرب، الملاح، الحي اليهودي الذي كان موجودا بالمدينة القديمة للدار البيضاء، ليقيم فيه “كباري” شرقيا، أطلق عليه اسم “لو كوك دور”، الذي ستتجاوز شهرته حدود المغرب، إلى العالم العربي، والذي أسسه على أنقاض مقهى قديم كان مجاورا لقنصلية بريطانيا.
كان “الكوك دور”، واحدا من أفخم وأبهى “الكباريهات”، ليس في الدار البيضاء وحدها، بل في العالم كله. كان مفروشا بالزرابي الإيرانية والأرائك الحريرية المطرزة بالذهب، تزين فضاءاته لوحات تشكيلية قيّمة وديكورات أثرية قديمة ونادرة، يقدم الأكل والشراب في أوان مصنوعة من “الكريستال”، لتناسب مستوى ضيوفه وزبائنه “الكلاس”، الذين كانوا يقضون فيه لياليهم المجنونة.
لم يكن “الكوك دور” يستقطب “أيها الناس”. بل نخبة المجتمع البيضاوي والمغربي، يهودا ومسلمين، أجانب وعربا. لقد كان قبلة العائلات البيضاوية الكبيرة مثل بن جدية والعيادي وبلبشير وبيرديغو، إضافة إلى المشاهير مثل المهدي بن بركة والمحجوب بن الصديق والطيب الصديقي، لذلك لم يكن يقدم أي نوع من الخمور، بل “الشامبانيا” الفاخرة والنبيذ المعتّق و”الويسكي” الغالي والنادر.
مرّ من “الكوك دور”، الذي كان متخصصا في الطرب الشرقي والشعبي و”الشكوري”، كبار الموسيقيين والفنانين، من بينهم سليم عزرا، عازف القانون، الذي كان نجم تلك الفترة، وعمر طنطاوي، الموسيقي وعازف العود والملحن، الذي أصبح في ما بعد رئيسا للجوق الوطني، وإيلي كاكون، العازف على آلة الأكورديون، ويعقوب بوطبول، على آلة الكمان. كما اشتغل فيه فنانون مثل فتحية خيري وفاطمة الشهبة وصفية الشامية وسعاد أحمد، إضافة إلى الراقصة منيرة، شقيقة سليم الهلالي نفسه.
وكان لسهرات “الكوك دور”، التي تنتهي عند الفجر، (ما عدا الجمعة، اليوم الذي يقفل فيه أبوابه)، الفضل في اكتشاف أسماء فنية كانت تغني فيه بانتظام، أصبحت شهيرة في ما بعد، على رأسها الفنانة الجزائرية وردة ومحمد افويتح والمعطي بلقاسم وبوشعيب البيضاوي والحاجة الحمداوية ولطيفة آمال وليلي بونيش…

مصارع ثيران
كان الهلالي، المغني وعازف “الدربوكة” المبدع ومالك المكان، هو “الشيف” المشرف على مطعم “الكباري”، إذ كان يحرص بنفسه على إعداد أطباق السمك والطاجين و”الطنجية”، التي كان يجيد طبخها، مثلما كان يحرص أيضا، مع حلول منتصف الليل، على الترحيب بزبائنه، إذ كان يقوم بجولة على كل الطاولات، يمزح مع هذا، ويشرب نخبا مع ذاك، و”يسخّن” الأجواء قبل موعد فقرته الغنائية. كان يدخل المكان، وهو في كامل تأنقه، مثل مصارع ثيران أندلسي أو أمير شرقي، وكان الضيوف يستقبلونه بالتصفيقات الحارة والصراخ والزغاريد.
يتذكر البيضاويون القدامى “الكوك دور” بكثير من الحنين والحسرة. زال كل أثر للمكان بعد أن شب فيه حريق في بداية الستينات، احترقت معه أوراق من تاريخ فترة زاهية عاشتها البيضاء، وظلت ذكريات سهرات جديرة بألف ليلة وليلة، حية في الذاكرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى