fbpx
بانوراما

محاكمات فوق العادة … “وعلاش ما نتزاحمش؟”

هي محاكمات وقضايا غير عادية، ليس بسبب موضوعها أو خطورة الجرم المرتكب أو حساسيتها، وغيرها من الأسباب التي يمكن أن تطبع المحاكمة وتجعلها تخرج عن المألوف. المثير في هذه المحاكمات هي أنها تخص العالم القروي، حيث الإنسان يجهل إلى حد كبير المعرفة القانونية للحقوق والواجبات، وأن مجرد الوقوف أمام القاضي يتطلب من الشخص التوفر على جرأة وقدرة كبيرتين، إلا أنه في حالات عدة انقلبت الآية وكان لتدخل المتقاضين أو أجوبتهم تغيير في مسار القضايا.
كريمة مصلي

ظل الشاهد يؤكد ملكيته للأرض ويطلب من هيأة المحكمة تدوين أقواله

كثيرة هي القضايا التي تعرض على المحاكم بشأن الخلافات حول أراضي الجموع، والتي يصعب البت في أغلبها بالنظر إلى طريقة تدبيرها بين القبائل المتعاقبة على عمليات الاستفادة. لكن القضية التي عرضت على المحكمة كانت أغرب من الخيال، حينما عمد الشاهد الذي يعول عليه في حسم الملف، إلى قلب أوراق القضية والادعاء أن الأرض ملكه، ما زاد الملف غموضا، وزاد حيرة الهيأة القضائية التي قررت إجراء بحث في الموضوع.
دخل القاضي إلى الجلسة وأخذ يتفحص الملف، الذي يخص نزاعا عقاريا، على بقعة أرضية ادعى المشتكي أن المشتكي به ترامى عليها، على اعتبار أن القطعة الأرضية تدخل في نطاق أراضي الجموع، ولا تتوفر على وثائق تثبت الملكية.

عدم وجود وثائق الملكية صعب المهمة، على خلفية أن مثل هذه القضايا التي تخص أراضي الجموع غالبا ما يتم الاستناد فيها إلى شهادة الشهود، والذين لا يخرجون عن نطاق الجيران، لأنهم هم وحدهم من يمكن تأكيد تصريحات المشتكي أو نفيها.
شرع القاضي في البحث في القضية وبدأ الطرفان في تبادل الاتهامات، وكل واحد يحاول أن يؤكد أن الأرض في ملكيته، وأن الآخر من ترامى عليها. طلب المشتكي من القاضي منحه أجلا لإحضار شاهد يؤكد صحة كلامه لدحض ادعاءات المشتكى به، وهو ما استجاب له القاضي، لأن مثل تلك الشهادة يمكن أن تحسم الخلاف، خاصة إذا كانت صحيحة، ولم تكن هناك أي خصومة بين الشاهد أو أحد طرفي الدعوى.

وفي الجلسة الموالية، حضر المشتكي ومعه الشاهد الذي يعول عليه كثيرا في فك لغز الترامي على الأرض، وبعد المناداة عليه طلب منه القاضي الإدلاء بالأوراق الثبوتية ورفع يده اليمنى، لكن الشاهد قاطعه وطلب من القاضي، قبل أدائه اليمين القانونية، أن يصدق شهادته.
استغرب القاضي من تصريحات الشاهد لأن حضوره إلى المحكمة هو من أجل قول الحقيقة، ولا شيء غيرها وأن القاضي هو الذي عليه أن يخبره بعقوبة شهادة الزور وتبعاتها، إلا أنه مع ذلك حاول أن يفهم قصده من ذلك، لكن ما جاء على لسانه كان مثيرا للاستغراب والدهشة من قبل هيأة المحكمة والحضور، إذ ظل الشاهد يؤكد ما قاله بشأن ملكيته للأرض ويطلب من هيأة المحكمة تدوين أقواله في محضر وتمكينه من حقوقه في الملف واستدعاء بعض الشهود.

أمام كثرة التناقضات التي عرفها الملف، قرر القاضي إجراء بحث في القضية والاستماع إلى كل طرف على حدة لاستجلاء الحقيقة، ساعتها تراجع الشاهد عن تصريحاته السابقة، وأكد أنه فوجئ عند حضوره للمحكمة أن لا المشتكي ولا المشتكى به، يملكان حججا قانونية تؤكد ملكيتهما الأرض، وإنما مجرد ادعاءات، فقال في نفسه “وعلاش ما نتزاحمش معاهم حتى أنا”…
ضحك القاضي وأعجبته نباهة الشاهد، وفطن إلى خطورة الأمر بشأن عدم توفر الأرض على وثائق تثبت الملكية، فقرر تأخير الملف إلى جلسة مقبلة، وذهنه منشغل بكيفية حل القضية التي تبين في ما بعد أن المشتكي هو من يملك حق التصرف فيها، وأن انعدام الوثائق كان وراء طمع المشتكى به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق