بانوراما

حيث ما كانت المصلحة فثمة شرع الله

مابعد الخلوة 4
محاربة التطرف والإرهاب رهينة بتفكيك مفهوم الحاكمية والاعتناء به
يعتبر محمد عبد الوهاب رفيقي أحد شيوخ السلفية السابقين الأكثر إثارة للجدل بعد خروجه من خلوة دامت سبع سنوات في زنزانة انفرادية وحصوله على عفو ملكي بعدما قضى تسع سنوات خلف القضبان. ومكنته خلوته من إعادة النظر في مجموعة من القناعات التي كان يحملها قبل دخوله إلى السجن، وكان من أشد المدافعين عنها والمروجين لها. تفتح “الصباح” مع الشيخ المثير للجدل حوارا عبر حلقات لتسليط الضوء على آرائه التي أدلى بها ومرجعياته، التي اعتمد عليها للجهر بخلاف ما كان يعتقده سابقا، الذي ما يزال زملاؤه في السجن يتشبثون به ويعتبرون الخروج عنه زيغا عن جادة الصواب.
عبد الواحد كنفاوي
< أشرتم إلى أن كل ما يرتبط بالحياة الدنيوية موكول للاجتهاد ولا دخل للدين فيه، كيف ذلك وهناك العديد من الآيات التي تحذر من عدم الحكم بما أنزل الله؟
< مما لا شك فيه أن موضوع الحاكمية هو أحد المواضيع الحساسة والتي كانت سببا في مآس كبرى عرفتها المجتمعات والمواطن الإسلامية في العقود الأخيرة، ولا شك أن التأصيل والتنظير اللذين قام بهما كل من أبي العلاء المودودي والسيد قطب لهذا المفهوم كان سببا لنشوء كثير من الحركات الجهادية التي اصطدمت مع الأنظمة في مختلف الدول، والتي أدت بكثير من الشباب إلى التشبع بالإيديولوجية الجهادية.
وبالتالي، فعلا، مفهوم الحاكمية هو أحد المفاهيم التي يجب الاعتناء بها وتفكيكها بحجج مقنعة إذا كنا فعلا نريد محاربة التطرف ومحاربة الإرهاب، لأنه يمثل أحد الأسس الفكرية التي بني عليها الإرهاب الجهادي المعاصر.

< هل معنى هذا أن الحاكمية يمكن أن تتطور مع تطور الواقع؟
< بالنسبة إلي، فالآيات والنصوص التي تتحدث عن هذا الأمر لا تعني إطلاقا التحكم في المجتمع من خلال صياغة قوانينه أو إلزامه بالبقاء على قوانين جامدة لا تتغير رغم تغير وتطور الواقع. فلا يجب أن تفهم هذه النصوص، كما فهمه أصحاب مبدأ الحاكمية، أن القوانين التي وردت في القرآن أو في السنة هي قوانين أبدية غير قابلة للتغيير وأن مخالفتها هي تمرد على حاكمية الله عز وجل.
بالمقابل الحاكمية التي يمكن أن أتحدث عنها هي حاكمية القيم وليس القوانين التفصيلية، لأن القيم الكبرى هي أساس الشريعة. ومن الأمور التي اشتغلت عليها كثيرا، خلال مسيرتي، هي قضية مقاصد الشريعة والغايات، لكن عندما أتحدث، طبعا، عن مقاصد الشريعة ليس كما يتحدث عنه البعض، لأن الكثير ممن رفعوا شعار المقاصد في العقود الأخيرة فعلوا ذلك لتسخير هذا المبدأ السامي لخدمات إيديولوجية وتحقيق أجنداتها، التي شرعنوا بها العديد من التصرفات السياسية التي مارسوها، في حين أنني أثير قضية مقاصد الشريعة من خلال مقاربة شاملة وليست مجزأة.
< ما معنى ذلك؟
< هذا معناه أن كل القوانين التي تحكم البشر يجب أن تخضع لهذا المبدأ وأن تكون خاضعة للمقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية، وهي المقاصد التي لا يختلف عليها أحد في الكون. فعندما نتحدث عن قيمة العدل أو المساواة أو الكرامة أو الصدق، فإن هذه المفاهيم تعتبر قيما كونية عامة جاء بها الإسلام لتكون حاكمة ولتخضع القوانين التفصيلية لها. وكما قال الفقهاء أنفسهم، مثل ابن القيم الذي يعد مرجعا عند التيارات السلفية، الذي له عبارة جميلة يقول فيها وحيث ما كانت المصلحة فثمة شرع الله، والمصلحة ليست لها، بطبيعة الحال، مرجعية سوى أن تكون محققة لإحدى القيم الكبرى التي قام عليها النظام البشري وجاءت بها الأديان.
لذا حتى لا يقع التعارض الذي سألتم عنه، بين الحفاظ على الهوية والقوانين التي تحكمنا والأحكام التي نتعامل بها يوميا، يجب التركيز على القيم والمقاصد الكبرى، باعتبارها معالم أساسية لصياغة أو تشريع أو تسنين أي قانون يخدم البشرية، وليس، كما يذهب أصحاب مفهوم الحاكمية، القوانين في تفاصيلها.
عبد الواحد كنفاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض