بانوراما

قطبي… الهروب من المدرسة العسكرية

خلف الوجه الطفولي والنظرات المليئة بالحماس والاندفاع، تستتر تفاصيل حياة قاسية مليئة بغرائب المفاجآت والصدف، التي قادت طفلا فقيرا من حي التقدم بالرباط لتسيد كبريات المعارض والأروقة الفنية عبر العالم. في هذه الحلقات، يحكي قطبي عن “ومضات” في مسار حياته ومحطات فارقة، رسمت طريقه من العاصمة إلى أرقى الأحياء الباريسية.
استعراض للجيش في الرباط أغراني بالالتحاق بالمدرسة بمساعدة أحرضان

تعددت لقاءاتي بالمحجوبي أحرضان، وزير الدفاع، الذي كان محتضني وعوضني عن مجموعة من الأمور التي افتقدتها وسط أسرتي، لأطلب منه في أحد هذه اللقاءات أن يساعدني للالتحاق بالثانوية العسكرية في القنيطرة، وهي مدرسة مدفوعة التكاليف سلفا، توفر للتلاميذ المأكل والمشرب والمبيت. تعلقي بالعسكرية خلفه حكاية خاصة، إذ حضرت استعراضا عسكريا في الرباط، وأعجبت كثيرا بالزي العسكري الجميل وحركة الجنود.

التحقت بالثانوية العسكرية بسرعة، وانتقلت من عالم إلى آخر مختلف، ذلك أن هذه الثانوية كانت تستقبل أبناء كبار العسكريين والمسؤولين المهمين في الدولة، ويرتدون ملابس راقية ويتوفرون على سائقين وسيارات خاصة، إنهم باختصار زبدة المجتمع، والحياة بينهم لم تكن سهلة، إذ كانوا يضربونني ويضايقونني باستمرار، بسبب ضعف بنيتي وصغر سني.
في الجانب المشرق من حياة المدرسة، أصبحت أتناول وجبات ثابتة في اليوم، وآكل اللحم، الذي لم أكن أبلغه في البيت، إلا خلال زيارات نادرة لضيوف، إلى جانب الحلويات و”الكروسان” الساخن، الذي أتلذذ به عندما أتذكره حاليا، ناهيك عن الثياب النظيفة والرفيعة.

بالنسبة إلى والدي، كانت المدرسة العسكرية بالنسبة إليه أمرا عظيما، وفرصة تراهن الأسرة بأكملها على تخرجي منها، وتقلدي منصبا مهما في القوات المسلحة الملكية، إلا أن هذا الرهان سرعان ما سيتبخر في ما بعد.

لم أكن متفوقا في الدراسة بالثانوية العسكرية أيضا، رغم المساعدة التي قدمها لي أحرضان في هذا الشأن، من خلال تكليفه كاتبته الخاصة وموظفا آخر من وزارة الدفاع بتعليمي اللغة الفرنسية. في الحقيقة دعمني هذا الشخص كثيرا، ولطالما تساءلت حول السبب، قبل أن يجيبني منذ خمس سنوات في لقاء معه على حيرتي، بالتأكيد على أنه أعجب بي لأني لم أطلب منه مالا حين التقيته أول مرة، بل رغبت في عمل لشخص آخر، لأصير بمثابة ابنه.

كانت هذه المدرسة سبب هجرتي لبيتي وأسرتي، حين اتخذت في إحدى الليالي قرار مغادرتها، إذ سألت نفسي لماذا سأظل أكابر في متابعة مسار لا أرغب فيه، لألبس ثيابي فجرا، وأقفز على السياج الحديدي، وأركض بعيدا عن هذا الفضاء.

بدر الدين عتيقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق