بانوراما

“لا كوريدا”… الأندلس في قلب البيضاء

فضاءات بيضاوية أسطورية 3
فتح أبوابه في 1955 وكان المطعم المفضل للحسن الثاني وأوفقير وبن بركة
لم تكن البيضاء مثلما هي عليه اليوم. مدينة غول، “يتقاتل” سكانها كل يوم، من أجل لقمة عيش مغموسة بكثير من العرق والذل. لم تكن هي هذه المدينة التي لا مساحة للجمال والثقافة والحضارة فيها بعد أن حوّلها أباطرة العقار إلى “بيدونفيل” ضخم، عشوائي وخانق. في هذه الحلقات، نعود بالزمن إلى الوراء، من خلال سلسلة حلقات حول بعض الفضاءات الأسطورية للبيضاء، التي شكلت مفخرة سكانها عبر السنوات، معتمدين، في هذه الرحلة النوستالجية، على ما جاء حولها في كتب ومقالات ومجلات، وعلى وثائق زودتنا بها جمعية “كازا ميموار”، ومستعينين أيضا بقصص وحكايات بيضاويين أقحاح.
نورا الفواري

“لا كوريدا”، ليس مجرد مطعم عاد، متخصص في الأكل و”الطابا” الإسبانية، يقصده زبناء عاديون. إنه اليوم، واحد من المعالم التاريخية للدار البيضاء.
فتح المطعم أبوابه في 1955 بزنقة “غي لوساك”، ليصبح، على مر السنوات، المكان المفضل لسكان البيضاء من الأجانب ونخبة المسلمين واليهود، الذين وجدوا فيه واحة أندلسية في قلب العاصمة الاقتصادية للمغرب.
كان الاسم الأول للمطعم “لو بالميي”، نظرا إلى أنه كان محاطا بأشجار النخيل، ثم أطلق عليه الأمريكيون بعد ذلك اسم “بالم كلوب”، أو “نادي النخيل”، قبل أن تنتقل ملكيته إلى تاجر سفن إسباني هو دون فينسينتي مارمانيو، الذي كان واحدا من ملّاك فضاء “ليزارين” الشهير آنذاك بالبيضاء، والذي كان يدير المطعم بنفسه إلى جانب زوجته سولانج، التي تركت عملها مولّدة ثم معلّمة، لتتفرغ ل”لا كوريدا”.
استوحى المالك الإسباني للمطعم اسمه من رياضة مصارعة الثيران السائدة والشهيرة في بلده، والتي كانت تنظم أيضا في فضاء “ليزارين” بالدار البيضاء، الذي كان أحد ملاكه مثلما أسلفنا الذكر، لذلك لم يكن غريبا أن يستقطب المكان أبطال هذه الرياضة ونجومها، الذين كانوا يعرجون عليه في كل زيارة لهم إلى البيضاء، حيث يستمتعون بأجواء الحفلات ذات الطابع الإسباني، التي كان يشرف عليها “الكوبل” فنسنتي وسولانج، ومن أهمهم مانوليتي.
كان فنسنتي يفتتح السهرة بالحديث عن بطولات أشهر مصارعي الثيران الإسبان. وكانت زوجته ترافقه على البيانو، قبل أن يتوافد العازفون والمغنون والراقصون على الخشبة، ليمتعوا سهرة ضيوف من جميع الديانات والطوائف والثقافات، يهودا ومسيحيين ومسلمين، جميعهم يتعايشون في المكان ويجالسون بعضهم بكل ود وسماحة، الرجال في كامل أناقتهم ببذلات “السموكينغ”، والنساء بفساتين السهرة والمجوهرات الثمينة.
كان المطعم أيضا قبلة لعشاق “الفلامنكو”، لذلك كان مالكه يسهر شخصيا على استقدام نجوم كبار في هذا الفن، مثل الفنانة القديرة ماري كارمن غارسيا وراقص الفلامنكو الشهير أنخيل توريس. النجوم الذين كانوا يحيون حفلاتهم ب”ليزارين” أو المسرح البلدي آنذاك، كان من الضروري أن يمرّوا على المطعم لتناول عشائهم واستكمال سهرتهم، أو للاحتفال بأعياد ميلادهم. كان من بينهم ساشا ديستيل وجون ماري وجاك بريل وإيدي ميتشل وفرنانديل وبريجيت باردو وفرانسواز ساغان وشارل أزنافور… لذلك كان المعجبون يحجون إلى المكان من جميع أنحاء الدار البيضاء أملا في رؤية ظل نجومهم المفضلين.

مطعم رجال الأعمال
كانت “لا كوريدا” المطعم المفضل لرجال الأعمال والدبلوماسيين والمحامين والأطباء، وللفنانين وكبار الشخصيات أيضا. كان الأمير مولاي عبد الله من رواده، والأمير الحسن، الذي كان ولي العهد آنذاك، والذي ظل صديقا للمالك وزوجته إلى حين مقتل دون فنسنتي، في انقلاب الصخيرات، حيث كان واحدا من ضيوف عيد ميلاد الملك الحسن الثاني. من الأوفياء للمكان أيضا الجنرال أوفقير ومولاي أحمد العلوي، علبة أسرار الملك الراحل، وجميع وزراء القصر. كما سبق للمهدي بن بركة والرئيس الجزائري السابق بن بلّا أن شوهدا في المكان نفسه، على طاولة واحدة. كما تبرز من بين الموقعين على الدفتر الذهبي للمطعم، أسماء الجنرال المذبوح ووزير الداخلية القوي ادريس البصري والمستشار الملكي أندري أزولاي، إضافة إلى الفنانين المغاربة والعرب، على رأسهم عبد الهادي بلخياط والفنان الراحل محمد الحياني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق