بانوراما

“كافي فرانس”… حكاية مقهى

فضاءات بيضاوية أسطورية
لم تكن البيضاء مثلما هي عليه اليوم. مدينة غول، “يتقاتل” سكانها كل يوم، من أجل لقمة عيش مغموسة بكثير من العرق والذل. لم تكن هي هذه المدينة التي لا مساحة للجمال والثقافة والحضارة فيها بعد أن حوّلها أباطرة العقار إلى “بيدونفيل” ضخم، عشوائي وخانق. في هذه الحلقات، نعود بالزمن إلى الوراء، من خلال سلسلة حلقات حول بعض الفضاءات الأسطورية للبيضاء، التي شكلت مفخرة سكانها عبر السنوات، معتمدين، في هذه الرحلة النوستالجية، على ما جاء حولها في كتب ومقالات ومجلات، وعلى وثائق زودتنا بها جمعية “كازا ميموار”، ومستعينين أيضا بقصص وحكايات بيضاويين أقحاح.
نورا الفواري
الحلقة الأولى
شكل في عهد الاستعمار نقطة تقاطع بين المدينة القديمة والأحياء الأوربية
كان مقهى فرنسا، الواقع بين ملتقى شارع محمد الخامس وساحة الأمم المتحدة، الفضاء المفضل للنخبة “البيضاوية”، منذ عهد الاستعمار، خاصة لدى الفرنسيين والجاليات الأوربية المقيمة بالمغرب. كان اسمه الأول “لو غران كافي غلاسيي”، قبل أن يتحول في ما بعد إلى “كافي دو فرانس”، المستمد من اسم ساحة “بلاص دو فرانس”، حيث يقع المقهى، وهو الاسم الذي احتفظ به إلى يومنا هذا.
لا أحد يعرف المالك الأصلي للمقهى، الذي ظل البيضاويون وغيرهم يحجون إليه، على مرّ السنوات، إما للقاء الأصدقاء أو عقد الصفقات والاجتماعات، أو انتظار حافلة تعيدهم إلى ديارهم، بعد زيارة قصيرة إلى المدينة “الميتروبول”. ويقال إن مالكة الفضاء كانت امرأة فرنسية لا أحد يتذكر اسمها، وقد أطلق عليها المغاربة “مدام دو كافي”، أو سيدة المقهى.
يقول الباحث عبد المجيد عريف، عن “كافي دو فرانس”، في مقال له ضمن مجموعة مقالات في كتاب “الدار البيضاء، وجوه ومشاهد ميتروبوليتانية” الذي أشرف عليه الباحثان ميشال بيرالدي ومحمد الطوزي، “إنه واحد من معالم المدينة، ليس لأنه صنّف كذلك من طرف مؤسسة لحماية والحفاظ على المعالم التاريخية، ولكن لأنه يدخل ضمن الذكريات الحميمية للدار البيضاء ولأن له ميزة قيّمة على التراث تتمثل في أنه ظل دائما ملتصقا بحاضر المدينة وأخذ عنها طابعها المعاصر. إنه ليس فضاء تقليديا أو عصريا، لكنه فضاء لحاضر المدينة”.
يتميز “كافي فرانس” بموقعه الإستراتيجي قبالة ساحة الأمم المتحدة (كان اسمها في عهد الاستعمار بلاص دو فرانس). وكان الهدف من تشييده، في عهد المستعمر، هو أن يكون نقطة تقاطع بين المدينة القديمة، حيث السكان اليهود والمسلمون، والتي ترمز إلى المغرب التقليدي، وبين المدينة أو الحي الأوربي، حيث الجاليات الفرنسية والأوربية، والتي ترمز إلى الحضارة والعصرنة والتجدد.
المقهى، الذي شيّد في عهد الاستعمار الفرنسي، والذي فقد اليوم الكثير من معالمه الجميلة، كما فقد زبناءه من “النخبة”، زارته شخصيات مهمة في تلك الفترة، من بينها رؤساء دول ووزراء وسياسيون، قبل أن يشتريه، في بداية السبعينات، رجل أعمال مغربي بمبلغ يصل إلى 80 ألف دولار (حوالي 80 مليون سنتيم)، وهو المبلغ الذي كان يعتبر ضخما في ذلك الوقت، وافقت عليه المالكة الفرنسية التي كانت تريد مغادرة البلد بعد أن بلغت من السن عتيا، ل”يتمغرب” المقهى في 1971، ويصبح بعد ذلك ملاذا للجميع، بعد أن كان فضاء للقاء النبلاء والتجار والمغامرين.
مـــــعــــلمــــة
عشاق السهر والليالي الحمراء بالدار البيضاء، يعرفون المقهى جيدا، لأن الجميع كان يقصده بعد انتهاء سهرته، سواء بملاهي “الكورنيش” و”عين الدياب”، أو بالحانات و”الكباريهات” القريبة والمجاورة، بشارع محمد الخامس أو وسط المدينة. يتذكر أحد سكان البيضاء القدامى، تلك الفترة، قائلا، “كان المقهى الوحيد بالبيضاء الذي يفتح طيلة 24 ساعة. لذلك كانت سهراتنا تمتد في فضائه إلى الصبح، حيث كنا نحرص على تناول الفطور فيه، والذي غالبا ما كان عبارة عن قهوة نص نص في كأس شباري وقطعة بوتي بان، بثمن لم يكن يتجاوز 2 دراهم. أما قهوة كحلة، فلم يكن يتجاوز ثمنها آنذاك 26 ريال”.
ظل المقهى، الذي يعتبر البيضاويون أنه كان أفضل مقهى في كل “كازا”،على مرّ السنوات، معلمة يهتدي بها كل زائر للبيضاء. الكل كان يلتقي ب”كافي فرانس”. القادمون من المدن الصغرى والمداشر، للحصول على عمل، أو بهدف “الحريك”، حيث كان ملتقى للسماسرة، ثم ملاذا ل”الهاربات”، اللواتي يقصدنه للعثور على زبون يقضين ما تبقى من ليل معه، مقابل مبلغ زهيد يسد رمقهن.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق