معالجة ملفات الفساد المالي بمسكنات تنتهي بانتهاء المحاكمات تعددت في المغرب، خلال السنوات الأخيرة، محاكمات المتهمين في ملفات الفساد المالي، وتتبع الرأي العام بتفاصيل كثيرة حقيقة التدبير الذي كانت تُسير به المؤسسات العمومية، والسطو على إمكانياتها المالية الكبيرة بعد اعتبارها بقرة حلوبا تستحق نهبها. وكشفت محاكمة بعض المسؤولين في هذه المؤسسات استفادتهم من المال «السايب» التي طبعت فترة من تاريخ المغرب، في غياب أي مراقبة قبلية أو بعدية من طرف البرلمان أو مفتشيات الوزارات الوصية، في الوقت الذي عجز فيه القضاء عن استعادة الأموال المنهوبة لأسباب متعددة.ومنذ الإعلان عن فتح ملفات الفساد المالي والإداري تعددت تقارير لجان الافتحاص بالوزارات والمجلس الأعلى للحسابات حول الخروقات التي طالت مؤسسات عمومية كبرى وجدت نفسها، فجأة، في حالة إفلاس بعد نهب أموالها من طرف لصوص كبار.وتتبع الرأي العام باهتمام كبير، خلال السنوات الأخيرة، حكايات مثيرة حول إفلاس مؤسسات بنكية، نتيجة سوء التدبير والتسيير، أو الاختلاس المباشر، فضاعت من بنك القرض العقاري والسياحي 8 ملايير درهم، ومن البنك الشعبي، 16 مليار سنتيم، ومطاحن المغرب مليار و900 مليون، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي 4.7 ملايير درهم، والبنك الوطني للإنماء الاقتصادي 1.2 مليار درهم، وغيرها من المؤسسات العمومية، والمشاريع الكبرى، التي لم يكتب لها النجاح، لأن المسؤولين عليها فضلوا مراكمة الثروات.وشهدت جل الملفات السيناريو نفسه، إذ تحال على العدالة لتظل حبيسة التحقيق شهور طويلة ، قبل إصدار الحكم الذي يقتصر فقط على الإدانة دون اجثاث ورم الفساد، علما أن هناك إجماعا حول عقاب مختلسي المال العام ودعوات لاستعادة المبالغ المالية المنهوبة، إلا أن التجارب كشفت أن محاكمة هؤلاء وإدانتهم بعقوبات سجنية لا تؤدي حتما إلى إحقاق العدالة، إذ توجد بدائل أخرى غير العقاب تعيد إلى دافعي الضرائب أموالهم.ولم تطو ملفات الفساد المالي والإداري نهائيا، منذ فتحها، خلال حكومة التناوب، بل امتد الفساد إلى مؤسسات جديدة وكشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن المفسدين عبثوا بمؤسسات عمومية كبرى، مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والقرض العقاري والسياحي، والقرض الفلاحي، والمكتب الوطني للمطارات، مرورا بملف المطاحن والتلاعب في حصص الدقيق المدعم، وانتهاء بتجاوزات كبرى لرجال سلطة ومنتخبين، فمعالجة الملفات تشبه مسكنات ينتهي مفعولها بانتهاء المحاكمات.ولم تنتبه الحكومات المتعاقبة إلى فشل سياستها في مواجهة الفساد المالي والإداري، ومنها مثلا عمل المفتشيات العامة الذي يقتصر على المراقبة البعدية، علما أن تجارب دول أخرى تفادت المقاربة الوحيدة لملفات الفساد المالي بفتح المصالحة التي تنص على استرجاع الأموال المنهوبة، بل إن مؤسسات أخرى تلجأ إلى الصلح في حالة ضبط الاختلاسات المالية. خالد العطاوي