fbpx
ربورتاج

الطاكسيات … البقاء للأقوى

سائقون بدون تغطية صحية أو تقاعد أو حقوق وزبائن يطالبون بخدمة نظيفة والسلطة تتجاهل الأزمة

البيضاويون يتهمون بعض “أصحاب الطاكسيات” بابتزازهم، وهؤلاء يقولون عنهم إنهم متعجرفون ويعتقدون أن السائق “شيفور عند بّاهم”. الزبائن لديهم كل الحق في البحث عن خدمة تتوفر فيها شروط الأدب والأخلاق والنظافة والجدية. لكنها شروط يستحيل تحقيقها بالنسبة إلى فئة تعاني “الحكرة” والتهميش ولا تتوفر على أجرة شهرية ولا تغطية صحية ولا تقاعد. في ما يلي، ورقة حول معاناة سائقي
سيارات الأجرة الصغيرة وزبائنهم، في مدينة يليق بها وصف “الغول” فعلا، وتسعى، إلى أن تكون مدينة ذكية، رغم أنها لا تملك أبسط المواصفات لذلك.

إنجاز: نورا الفواري

“هاد صحاب الطاكسيات ما بقا تا واحد يقدّ عليهم”… هي العبارة التي تكاد تتكرّر على لسان أغلب البيضاويين بدون استثناء، الذين يعيشون معاناة يومية من أجل التنقل، سببها أصحاب سيارات الأجرة الصغيرة.
رفض نقل ثلاثة أشخاص دفعة واحدة… فرض وجهة معينة بدل تلك التي يريد الزبون أن يتوجه إليها… السياقة بتهور… مشاكل من بين أخرى كثيرة يعانيها سكان البيضاء مع “موالين الطاكسيات”، جعلت العلاقة بين الطرفين لا تخلو من توتر يتحول أحيانا إلى مشادات واعتداء يصل إلى المصالح المختصة ومخافر الشرطة.

تهور وسجائر وموسيقى عالية

تقول مواطنة اعتادت “جحيم” الطاكسيات منذ أكثر من 10 سنوات هي مدة اشتغالها في إحدى الشركات وسط المدينة، في حديث إلى “الصباح”، “أضطر كل صباح إلى أن أستيقظ قبل الموعد بساعة على الأقل حتى أتمكن من العثور على سيارة أجرة تقلني، قبل ساعة الذروة الصباحية، وإلا تأخرت عن دوامي. ورغم ذلك، أضيع 20 دقيقة يوميا إلى نصف ساعة، قبل الذهاب إلى وجهتي، إما لأنها لا تناسب صاحب سيارة الأجرة، أو لأنني لست في طريقه. الشيء نفسه يحدث معي في المساء بعد انتهاء ساعات العمل. ناهيك عن حركة السير والازدحامات التي تجعلني أعود إلى منزلي منهكة وكأنني كنت في معركة”.
مراد، من جهته، استغرب، وهو يتحدث إلى “الصباح”، كيف لا يحترم بعض سائقي سيارات الأجرة الصغيرة القوانين؟ وكيف يرفضون التوقف لمجموعة من ثلاثة أشخاص؟ وكيف يرفضون أن يقلوك إلى وجهتك حتى ولو لم يكونوا يحملون أي زبون؟ وكيف يسمحون لأنفسهم بأن يسوقوا بتهور ويدخنوا سجائرهم ويعلوا صوت الموسيقى؟ وإذا ما احتججت أو اعترضت، يكيلون إليك وابلا من السب والشتائم ويلعنون سلسفيل آبائك وأجدادك؟
أسئلة مشروعة يطرحها كل بيضاوي تضطره الظروف إلى اللجوء إلى خدمة “الطاكسي”، دون أن يجد لها جوابا شافيا.

“المهنة مشات مع ماليها”

السي كبور، بيضاوي “مخزز”، يبتسم بحنين وهو يقارن بين أحوال “الطاكسيات” أمس واليوم، يقول “سيارات الأجرة لم تكن متوفرة بالشكل الذي هي عليه اليوم. وكان شكون وشكون اللي كا يركب الطاكسي حيت ما كانش فيه الكونتور. أقل تعريفة لأقرب وجهة كانت هي 20 درهما. كانت النظافة من أهم شروط سياقة سيارة الأجرة، إضافة إلى معرفة الطرقات والوجهات بشكل دقيق. اليوم، أصبح من هبّ ودبّ يسوق سيارة الأجرة. أغلب السائقين لا يعرفون المدينة جيدا ويقلونك إلى الوجهة التي تطلبها دون أن يكونوا على معرفة سابقة بها. لا يعتنون بملابسهم أو مظهرهم.
وإذا كانت “المهنة مشات مع مواليها”، مثلما يقول السي كبور، فحتى الزبائن “مشاو مع يامات العز”، يقول سائق سيارة أجرة أمضى في المهنة أكثر من 30 سنة. “زبون اليوم لا يتعامل مع سائق الطاكسي باحترام. ويعتقد أنه سائقه الخاص أو شيفور عند بّاه. وما يكرهش يوصلو تال دارو ويصاوب ليه شي براد ديال أتاي قبل ما يمشي. كل هذا مقابل 150 ريال”.
يحكي صاحبنا بلكنة لا تخلو من امتعاض “كانت المهنة أفضل بكثير مما هي عليه الآن. اليوم، لا زبائن لا موالين الطاكسيات. كلشي ضربو لخلا. كانت المهنة مقننة وماشي غير آجي وسوق الطاكسي. اليوم، ما بقات عندها قيمة. أصبحت الرخصة تمنح لكل من هبّ ودبّ. اللي مدوز الحبس، اللي كا يكريسي… اللي كا يتقرقب… هناك سائقون يشربون الخمر أثناء الخدمة ومنهم من لا يتوانى عن تدخين سيجارة أو جوان ويتحدث بأسلوب غير لائق مع الزبون، وهي مظاهر كان من المستحيل أن تجدها أيام زمان”. قبل أن يختتم كلامه قائلا “الله يعفو علينا من هاد الخدمة”.

“كلشي على الروسيطا”

وإذا كان الزبناء يشتكون سوء الخدمة ويتهمون سائقي سيارات الأجرة بالعجرفة وممارسة الابتزاز. فإن لهؤلاء الأخيرين وجهة نظرهم ورؤيتهم الخاصة إلى الأمور. استمعت “الصباح” إلى عدد منهم وكان الغضب قاسمهم المشترك. غضب على أنفسهم وعلى أحوالهم وعلى الدنيا و”الزمان”. يقول عبدو ل”الصباح”، في حديث ذي شجون: “نعاني الأمرّين في هذه المهنة. ورغم ذلك فالكل متحامل علينا. صاحب المأذونية (الكريمة) يكريها بالملايين (تتجاوز 30 مليون سنتيم) ويتقاضى مقابلها أجرا شهريا (قد يصل إلى 3000 درهم في الشهر)، ويجلس مرتاحا داير رجل فوق رجل، وفوق كل هذا تجده موظفا لديه أجرة شهرية وتقاعد. واللي كا يكري من عندو الكريمة كا يدير شيفور يجيب ليه في ظرف ساعات مبلغا ماليا يصل إلى 400 درهم، والشيفور هوا اللي كا تجي فيه الضربة لأنه داخل المعمعة باش يصور دوك الفلوس ويشيط لراسو شي مبلغ هزيل من بعد ما يدير المازوت ويحيد مبلغ الروسيتة”. إنها المهنة التي يعبر عنها بشكل جيد المثل المغربي القائل: “جري يا التاعس من سعد الناعس”، يقول عبدو.

قانون الغاب

العلاقة التي تجمع بين صاحب سيارة الأجرة أو الذي يكتريها، والسائق الذي يشتغل لصالحه، لا ينظمها أي نص قانوني. ولا تجمع بين الطرفين أية عقدة. “مول الطاكسي” هو الذي يحدد المبلغ الذي يرغب في أن يتحصل عليه في نهاية اليوم. وعلى “الشيفور” أن “يتقاتل” من أجل أن يؤمّن هذا المبلغ كاملا، كما عليه أن يزوّد سيارة الأجرة بالوقود قبل إعادتها إلى صاحبها، كما يتحمّل مصاريف صيانة العربة إذا تعرضت لعطل أو حادث. أما إذا خرق قانون السير وفرضت عليه الغرامة، فقد يشتغل أسبوعا أو 15 يوما من أجل أن يسدد مبلغها، في حين لا يريد “مول الطاكسي” أن يعرف شيئا عن كل ما يقع. فأهم شيء بالنسبة إليه هو “الروسيطا”. و”اللي ما عجبو حال، صحاب الطاكسيات على قفا من يشيل”، على قول أصدقائنا المصريين.
يقول العياشي، سائق سيارة أجرة آخر، في الأربعينات من عمره: “تقدر تخدم 40 عام مع مول الطاكسي وما يعقلش عليك. تقدر تجي فالعشية يحيد ليك السوارت ويقول ليك لقيت شيفور آخر. يسيفطك فحالك بدون تعويض ولا هم يحزنون”. ويضيف قائلا “بل الأدهى والأمرّ، أن مول الطاكسي يطلب منك ضمانة قدرها مليون سنتيم، قبل أن تبدأ في استعمال عربته، مهما كانت مهترئة وقديمة، مع أنه هو الذي من المفروض فيه أن يمنحك ضمانة لأن السائق هو المعرّض للحوادث والمشاكل والسرقات والجرائم، بحكم نوع مهنته”.
لا وجود لقانون يحمي السائقين ويضمن لهم حقوقهم. لا توجد عقدة تجمعهم مع رب العمل الذي هو “مول الطاكسي”. لا يتمتعون بتغطية صحية تعوضهم عن المرض أو الحوادث التي يتعرضون لها بشكل يومي. ليس لديهم تقاعد يقيهم من “دواير الزمان”. فكيف تريدون منهم أن يمارسوا هذه المهنة التي يسودها قانون الغاب، البقاء فيه ل”البلطجي” والأقوى؟ هذا هو السؤال الاستنكاري الذي تردّد على ألسنة جميع من تحدثت إليهم “الصباح”.
هذه الوضعية هي سبب المشاكل مع الزبائن وعدم رضاهم على خدمة سيارات الأجرة الصغيرة. يقول نبيل، شاب في أواخر الثلاثينات، يسوق “الطاكسي” منذ 5 سنوات بعد أن عجز عن إيجاد عمل قار “الشيفور اللي خارج يخدم تابعو بزاف ديال المصاريف. لهذا كا يدير الخدمة اللي كا تسلكو. وبدل أن يقلّ ثلاثة أشخاص دفعة واحدة، ويضيع الوقت والوقود وسط الزحام وحركة السير البطيئة بتعريفة لا تتجاوز 10 دراهم، يفضل أن يقل زبائن منفردين حتى يرفع المبلغ إلى 20 أو 30 درهما”.

نقابات لا تحمي السائق

ماذا عن النقابات؟ وأي دور لها في النضال من أجل ملف مطلبي عادل لهذه الفئة الاجتماعية؟ أغلب من تحدثنا إليهم لا يؤمنون بأي دور للنقابة. يقول عبدو: “بعض النقابات تتحدث عن السائقين، ليس دفاعا عن حقوقهم، لكن من أجل تحقيق مصالحها الخاصة. فلنقلها بصراحة ودون مواربة: المسؤولون يعرفون كيف يسكتون النقابيين. والسائقون لا حول لهم ولا قوة. لا يمكنهم الاستمرار في الاحتجاج أو الإضراب لأنهم مضطرون للعمل من أجل رزق أبنائهم. فهم ليست لديهم أجرة شهرية. بزز منهم يمشيو يخدمو ولا ما يلقاو ما ياكلو لا هوما لا ولادهم وعائلاتهم”.
“بعض النقابيين ما عندهم ما يدار”، يقول نبيل، مضيفا، “النقابة لا تتدخل في فض النزاعات بين صاحب سيارة الأجرة والسائق. ولا تحمي السائق أو تدافع عنه حين يتعرض للطرد أو الإهانة أو الاستغلال البشع. كل ما يقومون به هو حث السائقين على الانضمام إلى النقابة مقابل 100 درهم للاشتراك وصورتين من أجل منحك البطاقة التي لا تسمن ولا تغني من جوع”.
البطاقة المهنية، التي يرى أغلب السائقين الذين تحدثت إليهم “الصباح” أن وجودها مثل عدمه، جاءت مكسبا بعد العديد من الوقفات الاحتجاجية التي خاضها السائقون.
لكن الفرحة بها لم تكتمل، حين وجد المستفيدون منها أنها لا تضمن لهم حقهم في الصحة أو الدواء أو التعويض. يقول نبيل، الحاصل على الإجازة في الأدب العربي: “إنها بطاقة لا تضمن شيئا. بحال عندك بحال ما عندكش. ويلا مشيتي بيها أي مستشفى أو صيدلية كا يقولو ليك خلّص على راسك”.

“شرع اليد”

قانون الغاب، الذي تحدث عنه “الشوافرية”، هو نفسه الذي يطبقه السائقون في حق زملائهم من مستخدمي سيارات التطبيقات الذكية مثل “أوبر” (الشركة غادرت المغرب تماما بسبب نزاعها الدائم مع السائقين وعدم تقنين السلطات للمجال) أو “كريم” أو غيره، والذين يواجهونهم ب”شرع اليد”، ويستعملون معهم العنف، خاصة بعد أن نجحوا في استقطاب شريحة واسعة من الزبناء بفضل جودة خدماتهم ومعقولية أسعارهم.
أغلب السائقين الذين تحدثوا إلى “الصباح”، ضد استعمال “شرع اليد” مع مستخدمي هذه التطبيقات، لكنهم يجدون أنه الحل الوحيد أمامهم من أجل محاربة هذه الظاهرة التي استفحلت في ظل صمت السلطات وتجاهلها لمطالب المهنيين. يقول عبدو: “هاد الناس عارفين هاد المهنة ما عندها نظام، داكشي علاش دخلو ليها باش يستغلوها ويضيقو علينا كثر ما هيا مضيقة”. أما نبيل، فاعتبر ما تقوم به التطبيقات الذكية مثله مثل “خطف البلايص”. يقول “أي واحد يمشي يكري طوموبيل ويبدا يهز الكليان”.
وفي انتظار أن يشعر المسؤولون بمعاناة البيضاويين اليومية مع مشاكل التنقل وغيرها، ستظل الأزمة بين المواطنين وسائقي سيارات الأجرة الصغيرة قائمة، وسيظل الحق في صف الجانبين، والتغاضي والتجاهل الشعار الذي يرفعه المسيّرون بهذه المدينة التي تسعى إلى أن تكون “ذكية”، رغم أنها لا تتوفر على أبسط المعايير والشروط لذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى