منبر

المجتـمـعـات العـربية ووهـم الحـرية

القداسة التي تدثرت بها الدولة في الوطن العربي جعلتها وصية على المجتمع المنسحب

في خضم ذلك لم تترك السياسات الأمنية للمجتمع إمكانية الفعل والحضور، إذ استمالت نخبه، أو نكلت بها، ليتعرى المجتمع الغارق في الجهل، والمشدود لقيم بالية أمام السلطة السياسية.
بفعل انحصار تطلعات المجتمع، وغياب الإرادة لديه، تضخمت سلطة الدولة، وزاد نفوذها وحجم تدخلها الذي لم ينحصر ضمن حدود المجال السياسي، بل شمل مختلف مناحي الحياة. لقد باتت الدولة جهازا، غرضه ضمان وبسط سيطرته، فكان اللجوء إلى  العنف وممارسته، عنوانا بارزا للممارسة السياسية.
إن القداسة التي تدثرت بها الدولة في الوطن العربي، جعلتها وصية على المجتمع المنسحب والمتواري خلف إيديولوجية رافضة، بل
وعاجزة عن إحداث التغيير. لقد آمن المجتمع بضرورة الدولة وإن كانت رجحت الهاجس الأمني على ما عداه.
وباعتماد هندسة اجتماعية دقيقة، تمكنت الدولة من تعميق التناقضات الطائفية والعرقية، وكذا عقد تحالفات اجتماعية وسياسية معقدة …صبت كلها في خانة تقوية تلك المؤسسة السياسية. لقد كان بذلك المجتمع صنيعة الدولة ونتاج سياساتها.
في تساوق مع ذلك، وبفعل براعتها وقدرتها على المناورة، تمكنت الدولة من الإبقاء على ذاتها، وتفادي كل إفلاس يتهددها، إذ بدت في كثير من الأحيان الأداة التي تمكن القوى العظمى من تثبيت مصالحها، فكانت الحاجة أكيدة لها، وهو ما شكل دعما و سندا لها، ومن تم تعمقت هيمنتها وزاد حجم تسلطها المتولد عن الدعم الخارجي، الذي يتسع كلما اشتد الصراع والتنافس بين القوى والدول المتحكمة في العالم وفي مقدراته.
إن انهيار الاتحاد السوفياتي في أواخر القرن الماضي، كان لحظة فارقة في تاريخ الأمم ومنعطفا جوهريا عرفته السياسة والعلاقات الدولية، إذ تكشفت أطماع القوى التي خرجت من معترك الحرب الباردة منتصرة، وتوضحت نواياها التوسعية من خلال رسم نظام عالمي جديد كان تقزيم الدولة، وحصر مجال تدخلها أحد عناوينه الرئيسة. وكانت المنطقة العربية مشتلا حقيقيا لاختبار مشاريع تلك القوى الطامحة للإبقاء على سيطرتها و سيادتها. وستكون تلك السيادة منقوصة وغير ناجزة، إن لم يتم استيعاب المجتمعات العربية،عبر غرس منظومة القيم الغربية.
ومن مداخل ذلك تفكيك النظم السياسية القائمة، بمبرر أنها تعتدي على الإنسان، ولا تقيم لحقوقه وزنا. وكان الشباب العربي وفئات متذمرة، وأخرى ساخطة المعبر الذي من خلاله تمر تلك السياسات التي تروم جعل العالم في قبضة الشركات العملاقة وتحت رحمة المال.
إن ضرورة انتفاء دور الدولة كان أحد العناوين البارزة للمشاريع العولمية، وهي التي كانت قادرة على صنع وتحديد الرأي العام، وإشاعة فكرة المقاومة لديه. إنها قادرة على الحيلولة دون تحقيق تلك المشاريع، إذ تسمح لها إمكانياتها وأدواتها التعبوية، ورصيدها النضالي، تعبئة المجتمع وتجييشه، فكان من شأن ذلك الحد من النفوذ الغربي وحصر مجال حدوثه.
إن كره المجتمعات العربية للغرب، لا يمكن رده دائما إلى العوامل الثقافية و التاريخية المتوارثة، فلقد كان للعامل السياسي هو الآخر بالغ الأثر في تحديد الموقف الرافض للقيم الاستهلاكية التي يسعى الغرب استنباتها في الوطن العربي، حيث كان للدولة دور حاسم في تحريك مشاعر الرفض وخلق مواقف مناهضة لاستعمار جديد.
إن انجذاب المجتمع وانجراره وراء فكرة الرفض والممانعة التي تكرسها الدولة، كان دائما باعث قلق وعامل توجس بالنسبة للغرب، ففي ذلك صد لمشاريعه وتقويض لأطماعه. لقد كانت الدولة في العالم العربي قادرة على الانفلات من التبعية المطلقة للغرب، وهي التي  تدرك جيدا حاجة هذا الأخير لها، فعادة ما رسمت لها ولسياساتها هامشا من الاستقلالية؛ بفضل تحريكها للمجتمع الذي ظل بمثابة أداة تسخرها لممارسة  الضغوط والابتزاز.
غير أن المجتمعات العربية، انتبهت وبفعل عوامل عدة منها ظهور النخب وانتشار المعرفة وتضخم مكانة الإعلام، كانت قد انقلبت على الدولة، ولم تعد راغبة في القيام بدور الأداة أو حائط الصد، فتوسعت الهوة بينها وبين هذه الأخيرة، غير أنها سقطت مرة ثانية في قبضة سلطة سياسية أخرى أكثر مكرا ودهاء، إذ تخفي سياستها الأمنية وتوجهاتها العسكرية وراء شعارات خادعة تدعي الإيمان بالديمقراطية وحقوق الإنسان؛ غير أن جوهرها وعمقها يخفي رغبة أكيدة في الإنفراد بخيرات العالم، وتعطشا لامتصاص ثرواته، بطرق خفية  وسياسات ملتوية، غير أن تصاعد دور الدولة في العالم العربي،وازدياد نفوذها، وعمق حسها الوطني، هو ما كان يحول دون تحقيق ذلك، فكانت البداية بإعادة رسم سياسات جديدة في المنطقة العربية
وخلق علاقات تنطلق من عزل الدولة، وتحييد دورها والتشكيك في شرعيتها، وهي التي انزلقت سياساتها في الكثير من الأحيان، ثم العمل بعد ذلك على هدمها والقضاء عليها ويكون المجتمع معولا في ذلك، بعد تضليله وإغرائه بوهم اسمه الحرية، وهو الوهم الذي ترعاه المؤسسات المالية والاستخباراتية، وبذلك يسهل التغلغل في المنطقة مرة أخرى، لكن وفق استراتيجيات لا تسمح للعرب بأي هامش من التحرر.
يظهر أن المجتمعات العربية لا تستطيع أن تتخلص من لعب دور الأداة التي تحقق طموحات الآخرين، فبعدما كانت رهن مرامي الدولة، باتت اليوم المعبر أو الجسر الذي تمر عبره برامج و سياسات القوى التوسعية الساعية إلى خلق نظام عالمي، وفق المقاس الذي يديم هيمنة تلك القوى، ويبقي على الدول والمجتمعات العربية، ضمن خانة التابعين بصورة نهائية.

علي السعيدي: أستاذ الفلسفة بالثانوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق