مجتمع

شبح الإفلاس يهدد فلاحي جهة الغرب

موجة “الثليجة” أتلفت محاصيل آلاف الهكتارات بضيعات الغرب وكبدت المزارعين خسائر جسيمة

على بعد أيام قليلة من موعد الشروع في جني المحاصيل الزراعية بحقول وضيعات جهة الغرب، اجتاحت موجة الصقيع، أو “الثليجة”، كما ينعتها الفلاحون المحليون، آلاف الهكتارات المزروعة ، وكبدت المستثمرين في القطاع الفلاحي خسائر مادية جسيمة. “الصباح” انتقلت إلى عدد من حقول وضيعات منطقة الغرب، واستمعت إلى شكاوى ومطالب الفلاحين، وعاينت حجم الضرر.

ألقى كريم، الفلاح الشاب بدوار “اكحيلة” بضواحي مدينة سيدي علال التازي بمنطقة الغرب، نظرة مليئة بالحيرة والأسف على المحصول الزراعي الذي تعرض لضرر كبير بسبب موجة الصقيع التي اجتاحت البلاد منذ أسابيع، قبل أن يلتفت إلى “حكيم” ابن عمه وشريكه في المشروع الفلاحي، ويخاطبه قائلا “هذه أول محاولة لنا في المجال الفلاحي، ويبدو أنها ستكون تجربة شاقة ومكلفة”.

مفاجأة غير سارة
كريم وحكيم شابان عاطلان عن العمل، لم يتمكنا من الحصول على منصب شغل يؤمن لهما مصدر دخل قار، فتوجها إلى الاستثمار في الفلاحة، لأول مرة في حياتهما، واكتريا ضيعة فلاحية من أقارب لهما، وحرصا على العناية بها والاهتمام بمزروعاتها، أملا في جني محصول يعوضهما عن شهور من الإنفاق والعمل المستمر بلا كلل.
إلا أن موجة الصقيع الأخيرة لم تكن أرحم، ولم تبال بوضعيتهما الصعبة، لتكبدهما خسائر مالية جسيمة، بعد أن كانا يتوقعان محصولا إيجابيا لهذه السنة إثر التساقطات المطرية الأخيرة التي شهدتها البلاد، شأنهما شأن المئات من الفلاحين الآخرين، الذين وجدوا أنفسهم، بين عشية وضحاها، يضربون كفا على كف، من حجم الخسائر التي لحقت بمحاصيلهم ومزروعاتهم.
ويضيف كريم، في تصريحه لجريدة “الصباح” التي عاينت حجم الخسائر والأضرار التي تكبدها الفلاحون بسبب موجة الصقيع الأخيرة، أنه وشريكه “اكتريا أرضا فلاحية من بعض الأقارب مساحتها بضعة هكتارات، وشغلا عددا من الأيدي العاملة، وأنفقا الكثير من الأموال في اقتناء البذور والأسمدة والمبيدات الحشرية ومصاريف السقي وغيرها، بملايين السنتيمات، ليفاجآ قبل أيام من موسم الشروع في جني المحصول، بظاهرة “الثليجة” تجتاح البلاد، وتتسبب في تلف كبير للمحصول الزراعي.

دمار شامل بحقول الغرب
“لقد داهمت موجة الصقيع المزروعات قبل جني الثمار بأيام قليلة، وتسببت في إحداث أضرار كبيرة بالمحصول الزراعي، ولو كنا نتوفر على البيوت المحمية المستخدمة في الزراعة، والوسائل المطلوبة لهذا المجال، لكانت الخسارة أقل، ولكنا من المتحدثين عن تحقيق أرباح، حتى ولو كانت هزيلة، على الأقل لا نتحدث عن خسارة”، يقول مزارع آخر بضواحي مدينة أربعاء الغرب، قبل أن يشير بأصابعه إلى ضيعة فلاحية ضخمة، يمتلكها مستثمر أجنبي، قال إن محصوله هو الآخر تأذى كثيرا هو الآخر، وأنه لم ينجح في إنقاذ محصوله الزراعي رغم ما يتوفر عليه من إمكانيات ووسائل حديثة.
حال المزارعين بجهة الغرب، خصوصا بضيعات ومزارع سيدي علال التازي ومولاي بوسلهام وأربعاء الغرب ونواحي القنيطرة، لا يسر عدوا ولا صديقا، فالمحاصيل التي علق عليها المزارعون والفلاحون، كبارا ومتوسطين وصغارا، آمالا عريضة لأداء ديون القرض الفلاحي المتراكمة عليهم منذ سنوات، تنذر بخسائر جسيمة، وهو ما جعلهم يطلبون تدخل الدولة، في شخص وزارة الفلاحة، من أجل إنقاذ هذا الموسم، اتخاذ تدابير عاجلة.

وعود الوزارة الوصية
“هناك مجموعة من الإجراءات التي تنكب الوزارة الوصية على اتخاذها لمساعدة الفلاحين الصغار والمتوسطين على تجاوز هذه المرحلة الصعبة، كما أن هناك تفكيرا في إعادة جدولة الديون المترتبة على الفلاحين، وتقديم دعم مالي لهم لمساعدتهم على اقتناء البيوت الواقية من البرد”، بهذا التصريح أكد أحد موظفي وزارة الفلاحة بجهة الغرب، موضحا أن الجهود المبذولة في إطار مخطط المغرب الأخضر، يمكنها أن تساعد الفلاحين المتضررين من موجة الصقيع في تجاوز هذه الأزمة، واستئناف أنشطتهم الفلاحية في الموسم المقبل.
وقال المتحدث نفسه إن الوزارة ستسخر كل الإمكانيات المتوفرة لديها من أجل تقليل حجم الأضرار، داعيا الفلاحين إلى اجتماع عاجل بمسؤولي الوزارة الوصية لتقديم المعطيات بخصوص الأضرار التي ألحقتها موجة الصقيع الأخيرة بمزارعهم وحقولهم، والاستماع إلى اقتراحاتهم بخصوص البحث عن السبل الممكنة لتعويض الفلاحين الذين تعرضت مزروعاتهم بشكل كامل أو جزئي للتلف.
فلاح آخر استثمر جميع أمواله في ضيعة فلاحية بالقرب من مدينة مولاي بوسلهام، أكد أن “الثليجة” ألحقت ضررا كبيرا بالحقل، معتبرا أن حقول البطاطس كانت الأكثر تضررا من موجة الصقيع، ودعا هذا الفلاح الجهات الوصية بوزارة الفلاحة إلى تعويض المتضررين عن الخسائر التي تكبدوها، وإفادتهم بتسهيلات للحصول على قروض لاقتناء المستلزمات الفلاحية العصرية، مع مواكبتهم بالتكوين، حتى لا يكونوا عرضة للضرر في كل موسم شتوي، أو صيفي، وحتى لا يضطر الكثير من المستثمرين، صغارا وكبارا، إلى التخلي عن المجال الفلاحي، والبحث عن وسائل أخرى للاستثمار والعيش.

انتظارات الفلاحين من حكومة بنكيران
بنعيسى، فلاح بمنطقة الغرب، أكد أن الخسائر كانت فادحة، ومعظم المحاصيل تحولت إلى أشكال ليس لها شبه بمنتوجات الخضر، موضحا أن الفلاحين المتضررين يعولون كثيرا على حكومة عبد الإله بنكيران للتدخل من أجل التخفيف من حدة الخسارة، ومساعدتهم من الآن في التحضير للموسم الفلاحي المقبل. تصريح آخر لا يختلف كثيرا عن الأول، لفلاح يستثمر منذ عقود في مزرعة مساحتها عشرات الهكتارات بضواحي القنيطرة، يكشف فيه أن الصقيع وموجة البرد التي اجتاحت المنطقة أتلفت جميع المحاصيل، ولم تتبقى منها، بالكاد، إلا حوالي 15 في المائة صالحة للعرض في السوق، أما سواها، فقت تعرضت لتلف لم يسبق له مثير. ويضيف أن الموجة التي اجتاحت المغرب منذ أسابيع، “كانت شديدة جدا ولم تسجل مثلها منذ أكثر من ربع قرن من الزمن”.
وقال “كانت كل الأمور تسير بشكل أحسن، بعد التساقطات المطرية الأخيرة، وقبل بداية جني المحصول حلت الكارثة غير المتوقعة، متمثلة في موجة الصقيع غير العادية، وكبدتنا خسائر بعشرات الملايين من السنتيمات”. وعلق آماله في تحسن الأوضاع على ما حملته نشرة لمديرية الأرصاد الجوية في التلفزيون من أنباء بخصوص تراجع موجة الصقيع مع نهاية الأسبوع الجاري، لكنه شدد على أهمية تدخل وزارة الفلاحة لإنقاذ القطاع الفلاحي والتخفيف على الفلاحين من خلال المبادرة إلى اتخاذ “إجراءات عاجلة وفعالة تروم إعادة جدولة الديون المترتبة على الفلاحين وتقديم تعويضات للأكثر تضررا من هذه الموجة وتقديم قروض جديدة بشروط تفضيلية وتحفيزية لاقتناء معدات الحرث والسقي والبيوت البلاستيكية الواقية من موجات البرد والصقيع وحرارة المواسم الصيفية.
محمد البودالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق