دوليات

مصر بعد سنة على تنحي مبارك

تراجع الشعور بالانتصار ليحل محله الخوف من المستقبل

في مثل هذه الأيام من العام الماضي، التي كانت أول أيام مصر دون حسني مبارك وأسرته في السلطة، بدا شعب مصر، الذي كانت ثورة يناير قد وحدت بين شرائحه الاجتماعية وفصائله السياسية وتياراته الفكرية والأيديولوجية المختلفة، وصبتها في سبيكة غير قابلة للكسر أو التفكك، كأنه ولد من جديد. فقد اجتاحه يومها شعور طاغ بالفرح بالانتصار على الفرعون، وارتفعت هامته، ومعها آماله وأحلامه في مستقبل أفضل، إلى عنان السماء. أما اليوم، وبعد عام واحد من سقوط الطاغية، فتبدو الصورة مختلفة تماما، فقد تفرق الشعب شيعا وأحزابا من جديد، وانفكت الرابطة التي كانت قد جمعته مع الجيش في «إيد واحدة»، وراحت الفجوة تتسع بينه وبين من ائتمنهم على مصير الثورة إلى أن وقع الصدام بينهما وسالت دماء راحت الحناجر بعدها تنطلق من جديد مطالبة برحيل «العسكر» أو الطاغية الجديد. لذا لم يكن غريبا أن يتراجع الشعور بالفرح والانتصار، الذي ساد قبل عام مضى، ليحل محله اليوم شعور نقيض يغلب عليه طابع الإحباط والكآبة والخوف من مستقبل يبدو مجهولا وغامضا.
كان يفترض، بعد عام من الثورة، أن تكون مصر قد قطعت شوطا لا بأس به لاستئصال جذور نظام قديم، قامت الثورة لإسقاطه ونجحت في الإطاحة برأسه، وللتأسيس لنظام جديد يتسع للجميع ولا يستبعد أو يهمش أحدا. غير أن ما تحقق على هذين الصعيدين يبدو محدودا جدا، فسواء تعلق الأمر بمحاولات استئصال بقايا النظام القديم أو بمحاولات التأسيس لنظام جديد، بدأ يتضح تدريجيا أنها تدار جميعها وفق خطة جهنمية يبدو أنها لا تهدف سوى إلى إعادة إنتاج النظام القديم، ولكن بأسماء ورموز جديدة.
فإذا نظرنا إلى القضايا المتعلقة ببقايا النظام القديم، فسوف نلاحظ أن الرئيس المخلوع مازال يقيم في جناح ملكي داخل أكبر مستشفيات مصر، وينقل إلى قاعة المحاكمة محمولا على طائرة هليكوبتر، ويمثل أمام القاضي وهو مسجى فوق سرير طبي ويخفي عينيه تحت نظارة سوداء فاخرة، ويحاكم بتهم تافهة ليس من بينها تهمة الخيانة العظمى أو الحنث بالقسم على حماية النظام الجمهوري أو نهب ثروات البلاد، وتعيش زوجة الرئيس المخلوع ومدير مخابراته في جو فسيح من الحرية وبوسعهما الاتصال بمن يشاءان في الداخل والخارج. وكان زكريا عزمي نفسه قد ظل حرا طليقا لأسابيع عديدة بعد سقوط رأس النظام، لاشك أنه تمكن خلالها من محو كل أثر يساعد على إدانة النظام، كما تم وضع رموز النظام التي تحاكم بتهم قتل المتظاهرين أو الإثراء غير المشروع في مكان احتجاز واحد يتيح لهم كل وسائل الاتصال الحديثة، حيث أصبح في مقدورهم قيادة الثورة المضادة جماعيا، كما تركت الكوادر السياسية للنظام القديم حرة طليقة تتمتع بكامل الحريات والحقوق السياسية، وسمح لها بتأسيس أحزاب تحت مسميات جديدة وبخوض الانتخابات البرلمانية على المقاعد المخصصة للقوائم الحزبية وفي الدوائر الفردية.
فهل كان بوسع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو الجهة المؤتمنة على إدارة المرحلة الانتقالية، أن يقدم لقوى الثورة المضادة تيسيرات أكثر من ذلك لتمكينها من الانقضاض على ثورة تحكم باسمها؟
أما إذا نظرنا إلى الجهود المتعلقة ببناء النظام الجديد، فسوف نلاحظ حرصا شديدا على الاحتفاظ ببنية النظام القديم كما هي، بدليل خوض أول انتخابات برلمانية بعد الثورة في ظل مجلس شورى لا وظيفة له سوى تبديد المال العام وإتاحة وظائف سياسية وحصانات قضائية لمكافأة كل من هم على استعداد لتأدية خدمات للنظام، والاحتفاظ بنصف المقاعد للعمال والفلاحين كي يظل البرلمان ضعيفا وعاجزا، كما تم العمل على تمطيط المرحلة الانتقالية باستخدام أدوات وآليات مختلفة، كإطالة فترة الانتخابات البرلمانية وابتداع نظم انتخابية معقدة وعقيمة… وترحيل أو تأجيل المشكلات المعقدة، بدلا من السعي لمواجهتها والبحث عن حلول لها من خلال نقاش حر يستهدف التوصل إلى اتفاق عام حول القضايا الأساسية. وكانت النتيجة خوض الانتخابات البرلمانية، وأيضا احتمال خوض الانتخابات الرئاسية، قبل صياغة دستور دائم يحدد شكل النظام السياسي وينظم صلاحيات كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية وآليات ضبط العلاقة بينهما.
وأخيرا، فإذا نظرنا إلى الجهود الرامية إلى تحسين أحوال المواطنين وإشعارهم بأن الثورة في طريقها إلى تحقيق آمالهم، يلاحظ أن محاولات متعمدة جرت لضمان استمرار الفوضى الأمنية والإحجام عن اتخاذ الإجراءات اللازمة للإسراع بتطهير وزارة الداخلية وبعودة الأجهزة الأمنية لممارسة أعمالها بعد تأهيلها، والعمل على تشويه الشباب الثائر ومحاولة إظهاره كأنه ينتمي إلى جماعات من البلطجية وقطاع الطرق، وعرقلة الجهود الرامية إلى وضع حد أدنى وأعلى للدخول والإبقاء على الصناديق الخاصة التي شكلت بؤرا هائلة للفساد والتحايل على القوانين كما هي دون أى تغيير، وترك التجار والمضاربين يتلاعبون بالأسعار ويرفعونها بشكل مبالغ فيه وغير مبرر، مع الإيحاء في الوقت نفسه بأن الثوار هم من يتسببون في معاناة الأغلبية الساحقة من الشعب الكادح، إضافة إلى التلكؤ في حصر الشهداء وتكريمهم ومعالجة الجرحى وتأهيلهم.

المجلس الأعلى يفتقر إلى الخبرة السياسية

يتطلب الحفاظ على الزخم الثوري وحسن إدارة المرحلة الانتقالية، عملا شاقا للمحافظة بكل الوسائل الممكنة على وحدة القوى المعارضة للنظام القديم، خاصة القوى التي ساهمت في تفجير الثورة (الشباب) والقوى التي أسهمت، بنصيب وافر، في مدها بالزخم الشعبي اللازم لإنجاحها (جماعة الإخوان)، غير أن هذا هو تحديدا ما سعى النظام القديم لإجهاضه. وكان قد ساد لفترة طويلة انطباع مفاده أن حالة الارتباك التي اتسمت بها إدارة المرحلة الانتقالية تعود إلى افتقار المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى الخبرة السياسية التي تؤهله لإدارة الشأن العام، غير أن شهادات كثيرة تشير إلى أن هذا الارتباك كان متعمدا، وقصد به خلق أجواء تساعد على إحداث أكبر قدر من الانقسام والبلبلة داخل صفوف النخبة السياسية، بالعمل على استمالة التيار الإسلامي بصفة عامة وجماعة الإخوان المسلمين بصفة خاصة إلى صف المجلس الأعلى للقوات المسلحة والسعي إلى عزل شباب الثورة والعمل على تفتيت صفوفهم إلى أقصى حد.

بتصرف عن «المصري اليوم»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق