fbpx
خاص

المغرب وكوت ديفوار… عشق إفريقي

سكان أبيدجان يعشقون ثقافتهم ويبدعون في الاحتفال بها (خاص)
أميلتو
كامي

“الصباح” استمعت إلى شهادات سكان محليين يعشقون الملك وبحثت في شوارع أبيدجان عن سحر شعب طيب

أبيدجان هبة السماء… هواؤها يدفئ القلب، ويسحر زائريها، فيتيهون، حيارى، في شوارعها وأدغالها الأسطورية. أبيدجان، أيضا، هي عشق الإنسان الإيفواري: طيب وخلوق، وصبور، ولو تطلب الأمر من سائق سيارة أجرة الانتظار نصف ساعة الإشارة المرورية، دون أن يضغط على أبواق سيارته.
“الصباح” زارت أبيدجان، فعثرت على ابتسامة “كامي” (حارس أمن خاص لمقر الخطوط الملكية المغربية)، وحديثه عن زيارة الملك محمد السادس، و”أميلتو”، بائع التحف الخشبية، المتيم بثقافة المغاربة، وعبد العزيز، سائق سيارة أجرة، الذي يفتخر بتسامح الديانات، و”بانغو”، المرشد، الذي يؤمن بأن “سحر” ثقافة الإيفواريين يفطر قلوب الزائرين أثناء مغادرتهم كوت ديفوار.

إنجاز: خالد العطاوي – (موفد “الصباح” إلى أبيدجان)

“أكوابا” و”الملك محمد السادس”… كلمتان سحريتان تفتحان قلوب الإيفواريين، وتمنحان عشق الانتماء الإفريقي… كلمتان خفيفتان على اللسان وعزيزتان على أفئدة كل الإيفواريين.
تعني “أكوابا” في قاموس الإيفواريين “مرحبا”، ودلالتها تفوق معاني حروفها، فهي تفتح أمام الأجانب قلوب الإيفواريين، وتشعرهم بدفء الطبيعة… “أكوابا” سر شعب طيب جدا.
“أكوابا” تحكي تاريخ شعب ناضل من أجل الاستقلال، وتُقدس مؤسسي دولته (خاصة الزعيم التاريخي هوفييت بوانييه)، وتتعايش مع ثقافة باقي الشعوب (تستقر بكوت ديفوار نسبة كبيرة من الفرنسيين واللبنانيين وشعوب دول إفريقية أخرى)، وتحترم القواعد في الشارع (لن تسمع أبدا أبواق السيارات، مهما اختنقت حركة السير)، وتُؤمن بالعلاقات الاجتماعية الراقية (احترام المرأة إلى درجة التقديس).
“أكوابا” تكتشفها، أيضا، في السهول الكبيرة والغابات الكثيفة، وتعثر عليها في احترام الحيوانات، والاهتمام بالزراعة (الأناناس والكاكاو)…
“مرحبا” بلغة الإيفواريين، تعني شرب مائهم وأكل ثمار أرضهم، وتنفس هوائهم، والاستمتاع بحرارة “شمسهم” الحارقة طيلة السنة (تفوق درجتها غالبا الثلاثين درجة)، وأمطارهم الغزيرة، وهي أيضا احترام تقاليدهم، والتماهي مع قيم الوفاء والإخلاص والطيبوبة النادرة.
“أكوابا” هي حين تشد الرحال لتغادر كوت ديفوار، فتغرورق عيناك من فراق الإيفواريين، فالوداع “منبوذ” في ثقافتهم، ومن ألف ظلال أشجار الغابات، واستنشق هواء أبيدجان، وعاشر “باغو” (مرشد سياحي)، و”كامي” (بائع التحف الفنية)، و”أميلتو” (حارس أمن خاص)، وكثيرين…. يستحيل ألا يعود إلى أحضان الإيفواريين.
الإيفواريون لا يميزون بين “الألوان” والأعراق (قبائل كثيرة)، والأديان (شعب يتوزع بين المسلمين والمسيحيين)، فترى “عبد العزيز” يقود سيارة أجرة بين شوارع أبيدجان، مستمعا إلى آيات من القرآن الكريم، ثم يتوقف في الإشارة الضوئية ليسلم على زميله المسيحي.

إنه ملكنا أيضا

في منطقة “بلاطتو” (الحي الإداري بأبيدجان شُيد في عهد الاستعمار الفرنسي، ويتميز بهندسة معمارية جميلة جدا) تكتشف سحر كلمة “مغربي” عند الإيفواريين، فيهتفون “عاش محمد السادس”، ليس تملقا أو مجاملة، بل قناعة، حسب شهادات جل من صادفتهم “الصباح”.
تثير عبارة “محمد السادس” الأحاسيس ومشاعر الود عند الإيفواريين، فزيارات الملك إلى كوت ديفوار جعلته “مواطنا” إفريقيا أو كما قال عبد المالك الكتاني، السفير المغربي بأبيدجان، نقلا عن مسؤول حكومي إيفواري :”إنه ملكنا أيضا”.
يحكي بسطاء الإيفواريين قصصا مثيرة عن الملك محمد السادس: أحدهم سلم على الملك قرب مقر الخطوط الملكية المغربية، وآخر شاهده، أكثر من مرة، يتجول منفردا في ضفاف أحد الأنهار، وآخرون رؤوه يوزع المساعدات المالية على الفقراء، فيهتفون باسمه ويبادلهم الابتسامة.
“إنه ملكنا”، يقول “كامي”، بائع بسوق للتحف، و”الأمر لا علاقة له بإعاناته المالية للفقراء، بل لأن الإيفواريين يشعرون أنهم أمام ملك إفريقي مثلهم يبادلهم الاحترام والعلاقات الإنسانية والثقافية.

“غراند بسام”… المدينة الأسطورة

تحفة الإيفواريين تتجسد في”غراند بسام”، وإكرام الضيف يفرض عليهم، حسب تقاليدهم، زيارة المدينة الأسطورة وأول عاصمة لكوت ديفوار.
تبدو “غراند بسام” مثل صفحات ملونة في كتب التاريخ، هكذا وصفها “باغو”، مرشد سياحي، فهندستها المعمارية تعود إلى الحقبة الاستعمارية، في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتم تخطيط أحيائها لاحتضان الأنشطة التجارية والإدارية والسكنية للأوربيين، كما تضم قرية لصيد الأسماك “نزيما”، بجانب مبان ذات طابع فرنسي، إذ تتميز بمنازل ذات أروقة وشرفات وحدائق، علما أن “غراند بسام” تعد أهم ميناء ومركز اقتصادي وقضائي في كوت ديفوار.
لم يغادر الإيفواريون “غراند بسام”، فمازالت المدارس تستقبل الأطفال بملابسهم الموحدة الأنيقة، والمدينة لها خصوصية منفردة تجعلها مركزا نابضا بالنشاط، لأنها تجذب مجموعات سكانية من جميع أرجاء إفريقيا وأوربا وشرق البحر المتوسط.
في “غراند بسام” تعثر أيضا على اللمسة المغربية، فالآليات المغربية تقاوم تقلب أحوال الطقس للإسراع في تنفيذ مشروع مخرج خليج غينيا، ناهيك عن مشاريع أخرى، مثل نقطة التفريغ المهيأة (ميناء الصيد) ودار الثقافة.

الكتاني… المسؤولون يعشقون المغرب

يؤكد عبد المالك الكتاني، سفير المغرب بأبيدجان، أن الشراكة بين المغرب وكوت ديفوار ابتدأت في 2013 حين زار الملك محمد السادس كوت ديفوار، إذ انطلقت قاطرة الاستثمارات، التي ابتدأت بالشركات الكبرى، وفتحت الطريق أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة، فهناك حوالي 37 مقاولة مغربية توسع حصصها السوقية في قطاعات البناء والأشغال الكبرى والمنتجات الاستهلاكية بدولة كويت ديفوار.
وتمكنت هذه الشركات المغربية من الفوز بمجموعة من الصفقات الكبرى في مجال إنشاء الفنادق الفخمة والمجمعات السكنية، إلى جانب الخدمات الاستشارية والوساطة التجارية، كما استطاعت الظفر بالعديد من المشاريع التي عززت مكانتها في السوق الإيفواري، الذي يشهد منافسة قوية بين الشركات الأجنبية. وقال الكتاني: “إن المقاولات المغربية تواجه منافسة الشركات التركية وبعض الدول الصاعدة الأخرى، لكنها أبانت عن كفاءة عالية في هذه السوق الصاعدة”.
واعتبر السفير المغربي أن “الباب مفتوح لجميع المقاولات المغربية للولوج إلى السوق الإيفوارية التي تشهد نموا مضطردا لاقتصادها وبمعدلات سنوية قياسية تتجاوز 6 في المائة”، مشيرا إلى أن العلاقات المتميزة بين المغرب وكوت ديفوار والإستراتيجية الملكية ساعدت بشكل كبير في تسهيل المأمورية للمقاولات المغربية لهذه الأسواق الواعدة. وقال: “نحن لا نلتفت إلى باقي المنافسين، فالشركات المغربية تركز على مشاريعها وإنجازها على أحسن وجه”.
وحكى الكتاني عن إشادة الإيفواريين بالعلاقات مع المغرب وقال:” لقد صرح لي أحد المسؤولين الكبار أنهم يشعرون بأن الملك محمد السادس ملكهم أيضا”.

حارس أمن بقلب مغربي

لا يخفي “أميلتو”، حارس أمن خاص إيفواري لمقر الخطوط الملكية المغربية بمنطقة “بلاطو”، عشقه للمغاربة، فقد شاهد الملك محمد السادس، وهو يصافح الإيفواريين، واقتفى أثره إلى حين ولوجه أحد المطاعم.
ويشرح “أميلتو” أسباب حب الإيفواريين للمغاربة قائلا:”إنهم إخوتنا وتجمعنا معهم علاقة الانتماء إلى القارة الإفريقية، ناهيك أنهم شعب طيب مثلنا”.
وازداد تعلق “أميلتو” بالمغرب، حين سافر قريبه إلى البيضاء بحثا عن فريق لكرة القدم، فالشعب الإيفواري لا ينسى حسن استقبال المغاربة للأفارقة.
يبتسم “أميلتو” كثيرا عند رؤية المغاربة، فوراء صرامة رجل الأمن الخاص طيبوبة نادرة، ويشرح الأمر قائلا:”إن الزيارات الملكية إلى أبيدجان أعادت الدفء إلى العلاقة بين الشعبين”، ناهيك عن العلاقات التاريخية التي جمعت بين مؤسس كوت ديفوار هوفييت بوانييه والملك الحسن الثاني، فرغم أن كوت ديفوار بها عشرات الجنسيات، إلا أن للمغاربة مكانة خاصة لا تقارن بباقي الشعوب الأخرى، فالأجانب يجنون مبالغ مالية من استثماراتهم بأبيدجان، ولا يتقاضى الإيفواريون العاملون معهم إلا الحد الأدنى من الأجور، عكس رجال الأعمال المغاربة يحترمون القانون، ويؤدون كل الواجبات التي ينص عليها القانون، مما يجعل العمل مع المغرب طموح كل إيفواري.

“لارام”… جسر الثقافة

تنبض أحياء أبيدجان بالحياة، فكرة القدم والموسيقى تحتلان كل الفضاءات، وتشعران الزائر أن المدينة لا تنام أبدا.
يفتخر الإيفواريون بتشييد أكبر مركب ثقافي في بلادهم، فهو يحتوي على مسارح، أحدها في الهواء الطلق يطل على ضفاف نهر يخترق المدينة ويتسع لمئات المتفرجين الذين يستمتعون، كل سنة، بموسيقى العالم خلال مهرجان “ماسا” الدولي.
يصدح الفنانون، طيلة أيام المهرجان، بكل أنواع الموسيقى، خاصة أنه يستقطب فنانين من القارات الخمس، ف” ماسا” أو “سوق فنون العرض الإفريقي” بأبيدجان هو برنامج للتنمية الثقافية لفنون العرض والفرجة الإفريقية (الموسيقى والمسرح والرقص) يروم دعم إنتاج عروض ذات جودة عالية، وتسهيل تنقل المبدعين وإنتاجاتهم في افريقيا والعالم وتكوين الفنانين والعاملين في سلسلة إنتاج العروض وتطوير قطاع فنون العرض والفرجة في القارة الإفريقية.
تم إطلاق سوق فنون العرض الإفريقي رسميا خلال المؤتمر الثاني لوزراء الثقافة والفرنكوفونية الذي عقد بلييج ببلجيكا في 1990، ونظمت النسخة الأولى في أبيدجان في 1993 من قبل المنظمة الدولية للفرنكوفونية ووزراة الثقافة الايفوارية. وأصبح (ماسا) في 5 مارس 1998 “البرنامج الدولي لتنمية الفنون الحية” هيأة مستقلة ومقرها أبيدجان.
ولأنه مهرجان فريد من نوعه، فقد حرصت الخطوط الملكية المغربية على مواكبته، وأصبحت الناقل الرسمي لهذا الحدث الثقافي خلال نسخه الثلاث المقبلة 2018 و2020 و2022.
وكشف حكيم شلوط، مسؤول التواصل في شركة الخطوط الملكية المغربية، في لقاء مع “الصباح” بأبيدجان، أن الشركة تدعم (ماسا)، منذ 2014، وعززت موقعها باعتبارها الناقل الرسمي لهذا الحدث الثقافي المرموق لمناسبة دورته العاشرة التي عقدت، أخيرا، بأبيدجان حول موضوع ” ماهية النماذج الاقتصادية لفنون العرض؟ الفرق الفنية وقاعات العروض والمهرجانات”.

الملك أعاد النور إلى عيني صديقي

في قلب أبيدجان بكوت ديفوار، سوق شعبي مختص في بيع التماثيل والأقنعة والديكورات الإفريقية يضم محلات صغيرة بألوان فاقعة تسحر كل الزائرين.
حين تطأ قدماك السوق يبدأ أصحاب المحلات التجارية في استمالتك، وفجأة ينادي أحدهم “مرحبا بالمغاربة”.
يبتسم “كامي”، بائع للتحف الفنية بأبيدجان، ولا يخفي سعادته، حتى “ولو لم تقتن أي بضاعة”، يقولها أكثر من مرة، واحتكاكه مع المغاربة جعله يكتشف شعبا مميزا يتسم بالطيبوبة، ناهيك عن الأصداء التي تصله من المهاجرين الإيفواريين بالبيضاء بخصوص استقبال الأفارقة، والزيارات الملكية إلى أبيدجان. وقال “كامي” : “بكل فخر أستطيع أن أقول إن محمد السادس هو ملكنا أيضا… لقد أصبحنا ننافسكم في حب الملك”، قالها وهو يبتسم قبل أن يشير إلى أن جميع الإيفواريين يتذكرون تخليه عن البروتوكول.
يؤكد “كامي” أن الملك محمد السادس زار السوق الشعبي، وشعبيته تفوق التصور، خاصة أنه طاف على المحلات، واقتنى بعض التحف، ثم تنهد “كامي”، وهو يحكي قصة الملك مع زميل له في السوق:”لقد اتجه الملك نحو أحد البائعين وسأله عن أحواله، فتحدث البائع عن معاناته بسبب مرض أصاب عينيه، حينها غادر الملك السوق، وحل مغاربة بحثا عن البائع، وفي أيام قليلة نقل على نفقة الملك إلى المغرب، وأجريت له عملية جراحية على العين تكللت بالنجاح، وعاد مبصرا إلى السوق بعدما غادره كفيفا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى