fbpx
حوادث

جمعية هيآت المحامين وتحديات المرحلة

المهنة تعيش تقهقرا وتراجعا لا ينكره إلا جاحد أو جاهل

بقلم: ذ. جلال الطاهر*

بتاريخ 24 مارس الماضي، تجدد جمعية هيآت المحامين بالمغرب المسؤولين فيها. هذه الجمعية التي تأسست منذ ما يزيد عن نصف قرن (1962)، حيث يمكن اعتبارها فاعلا وشاهدا على التطور الحقوقي والسياسي بالمغرب خلال هذا العمر المديد من حياتها، ويمكن التأكد من ذلك، لمن أراد بالرجوع لمقررات مؤتمراتها وما كانت تسجله من معاينات للوضع الحقوقي والسياسي والاجتماعي بالبلاد، حيث يمكن اعتبارها مرجعا أساسيا لمن يرغب في مواكبة التطورات الحقوقية والسياسية منذ السنوات الأولى للاستقلال إلى اليوم، ويكفي للتدليل على ذلك، التذكير بأن هذه الجمعية كانت مصدراً لمعرفة مقرات الاعتقال السري التي شهدتها سنوات الجمر والرصاص.

إن البيانات الختامية لكل مؤتمراتها، كانت تطالب وتلح – من جملة مطالب أخرى- على ضرورة فصل القضاء سلطة من سلطات الدولة عن السلطة التنفيذية، حتى يتأكد بالفعل، والواقع استقلال القضاء، وظل هذا المطلب ثابتاً في كل مواقف جمعية هيآت المحامين بالمغرب، ولم ييأس المحامون المغاربة خلال كل مؤتمرات هذه الجمعية، من الاستمرار في الثبات والعمل والمساعي الحثيثة، لتحقيق مطلب استقلال القضاء الفعلي، عن السلطة التنفيذية، رغم مواجهة الدولة لهذا المطلب وغيره، بآذان صماء، وكانت تعتبره مطلبا “طوباويا” غير قابل للتحقيق، نظرا لطبيعة البناء المؤسسي للدولة، التي تعتبر أن السلطة التنفيذية، يجب أن تظل سلطة لها الكلمة على باقي السلطات، إلا أن إعراض الدولة عن سماع صوت المحامين المعبر عنه في مؤتمرات جمعيتهم، لم ينل من صمودهم وقوة عزمهم، على مواصلة المطالبة وبأقوى العبارات، في تناغم مع مواقف الأحزاب المغربية، والوطنية منها خاصة، التي كانت تتجاوب مع مطالب جمعية هيآت المحامين بالمغرب، وتعكس هذه المطالب ضمن بيانات مؤتمراتها الوطنية.
ومناسبة هذا الكلام، هي الجمع العام الانتخابي المقرر إجراؤه في ضيافة هيأة المحامين بالناظور، من أجل تجديد المسؤولية داخل الجمعية، خاصة منصب الرئيس، هذا المنصب الذي تحمل أعباء المسؤولية فيه –نقباء أجلاء وقامات حقوقية – تحملوا هذه المسؤولية بسمو واقتدار وشجاعة، في إعلان الموقف والاستمرار في الدفاع عنه والثبات على المبدأ والاستعداد لتحمل تبعاته وعواقبه، في أدق الفترات من تاريخ المغرب الحقوقي والسياسي، في استحضار للتطلعات الحقوقية والمهنية للمحامين بالمغرب ولقواه الحية، حتى تحقق المطلب الأساسي الذي كرست له الجمعية كل جهودها، ألا وهو، مطلب استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية والتنفيذية، بل واستقلال النيابة العامة نفسها، عن وزارة العدل، وذلك بصدور دستور 2011 ، الذي يمكن أن يقال بأنه صدر عما يمكن تسميته (هيأة تأسيسية)، وهذا الشكل الذي وضع به دستور 2011 كان أيضاً، من مطالب جمعية هيآت المحامين بالمغرب.
وبناء على ما ذكر ولغيره، فإن الهيأة الناخبة، المكونة من مجالس هيآت المحامين بالمغرب، عليها أن تستحضر، كل هذا الرصيد النضالي الحقوقي، وهي تتداول وتتدارس، واقع مهنة المحاماة اليوم، واستحقاقات المرحلة، وما تتطلبه من شروط في القيادة الجديدة للمهنة ، بعد التغييرات الكبيرة في هيكلة مؤسسات العدالة بعد دستور 2011، وفي مقدمتها السلطة القضائية، التي أصبحت سلطة قائمة على قدم المساواة، مع السلطتين التنفيذية والتشريعية، وأصبح للقضاة، جمعيات مختلفة ومتعددة رجالية ونسائية، تطالب بجسارة بحقوقها في توسيع الممارسة الجمعوية في أوسع نطاقها، وتذود عن أعضائها بجرأة وجسارة، في ضرورة تحقيق المطالب المعنوية كالحق في التعبير، والمطالب النقابية كتحسين الأوضاع المادية والاجتماعية… وبصفة عامة توفير الشروط للتجسيد الفعلي لاستقلال السلطة القضائية، وفعلاً فقد تحقق الكثير من ذلك.
وبالمقابل، فإن مهنة المحاماة، عوض أن تشهد تطوراً إيجابيا، باعتبارها مهنة تساعد القضاء، وتساهم في تحقيق العدالة، وبهذا الاعتبار فهي تشكل جزءاً من أسرة القضاء، فكان الطبيعي، أن تنعكس التطورات التي عرفها القضاء، دستوريا وقانونيا واعتباريا على المحاماة، إلا أن الواقع يشهد اليوم تردياً على كل المستويات، المادية والمعنوية، حيث أن أوضاع اليوم توجب على أي مسؤول مهني، أن يستوعب ويرصد ويصيخ السمع لأنين مهنة المحاماة، وما تعيشه من تقهقر وتراجع، لا ينكره إلا جاحد أو جاهل، نتيجة واقع، يعاند ويقاوم أي تطور إيجابي لمهنة المحاماة، تساهم في ذلك عقليات سلطوية تعيش خارج العصر، يتأكد ذلك من خلال الاختيارات التشريعية، التي تنتهز أي فرصة للتضييق على الممارسة المهنية، بالحد من حرية المحامي في ممارسة مسؤوليته المهنية ، واختلاق الأسباب للتشويش عليه ومضايقته حتى.
هذا عن الجانب المعنوي والاعتباري، يضاف إلى ذلك التضييق على الممارسة المهنية وتقليص فرص العمل، ومظاهر ذلك عديدة يضيق المقام عن تعدادها، ولتأكيد ذلك يمكن الرجوع إلى مشاريع القوانين المعروضة على البرلمان اليوم، التي لا تتناغم مع السياق العام لتوجهات العدالة عامة، الذي لا يمكن أن يكتسب مشروعيته وفعاليته إلا بوجود محاماة، تقوم بمهامها وتتحمل مسؤوليتها ودورها في تحقيق العدالة في بلد يسعى لأن يكون ديمقراطيا.
هذه هي الصورة المختصرة للمهنة، التي يجب أن ينظر إليها ويتفحصها النقباء وأعضاء المجالس، وجعلها مصدر إلهام لهم في قراءة الواقع المهني المريض من جهة، والمستهدف من جهة ثانية، بغاية اختيار قيادة جديدة لجمعية هيآت المحامين بالمغرب، مستوعبة للمرحلة، ومدركة لتحدياتها على جميع المستويات حتى تكون خير خلف لخير سلف.
* محام بهيأة البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى