fbpx
خاص

السرفاتي… رمز التعايش بين اليهود والمسلمين

رحيل مناضل كرس حياته للدفاع عن حقوق الإنسان والقضية الفلسطينية

هو من المناضلين الذين أثاروا نقاشا واسعا، وتمكن الرجل، ذو الجسد النحيل، أن يجمع بين رمزية قضايا متعددة في آن واحد: فهو رمز أزلي للنضال والدفاع عن حقوق الإنسان، ورمز للتسامح بين المغاربة اليهود والمسلمين، كما هو رمز لنبذ الصهيونية،

ومساند كبير لقيام دولة فلسطين. وقبل هذا وذاك هو رجل عاش من أجل أفكاره وناضل من أجل إيمانه فخلدته مواقفه بعد موته.

يتحدر السرفاتي من أسرة أندلسية يهودية من مدينة طنجة. هو خريج المدرسة الوطنية العليا للمعادن بباريس، وبدأ عمله في الخمسينات بمناجم الفوسفاط. وتولى عام 1958 منصب مدير ديوان كاتب الدولة في الصناعة والمعادن، ثم كلف بمهمة بديوان الزعيم الاشتراكي عبد الرحيم بوعبيد، الذي كان آنذاك وزيرا للاقتصاد. وقضى العضو السابق في الحزب الشيوعي المغربي ثم في حركة «إلى الإمام» الماركسية اللينينية، نحو 17 سنة في السجن ما بين 1974 و1991 .

نضال واعتقال
اعتقل السرفاتي المرة الأولى سنة 1972، واتهم السلطات بأنها «عذبته بوحشية». وبعد أن نشط أشهرا في الخفاء أدين ابراهام السرفاتي في أكتوبر 1977 بالسجن مدى الحياة بتهمة «التآمر على أمن الدولة».
وكان حينها من مؤيدي موقف بوليساريو، وقضى سنوات في سجن القنيطرة قبل أن يفرج عنه الملك الراحل الحسن الثاني، بعد حملة تضامن دولية. وتم ترحيله مباشرة من المغرب إلى فرنسا بأمر من وزير الداخلية حينها إدريس البصري بدعوى أنه «مواطن برازيلي».
ومباشرة بعد توليه العرش سنة 2000، سمح الملك محمد السادس له بالعودة إلى المغرب بجواز سفر مغربي. واستقر في مدينة المحمدية مع زوجته كريستين دور التي كانت دائما سنده.
وكان المهندس السرفاتي وهو من مصممي سياسة المغرب المنجمية بعد الاستقلال، ينتقد الأحزاب السياسية بسبب بطء العملية الديمقراطية.
وإثر عودته من منفاه الباريسي، أقام سرفاتي في مدينة المحمدية مع زوجته ورفيقة دربه كريستين دور التي جرت مراسم زواجه بها وهو في سجنه بالقنيطرة في بداية ثمانينات القرن الماضي.
والمثير أن كريستين نفسها كانت، باعتبارها فرنسية، تساعده على التخفي عن أنظار المخابرات التي كانت تلاحقه قبل سجنه في السبعينات، ولعبت كريستين أيضا دورا أساسيا في كشف حقيقة وجود معتقل تازمامرت الرهيب الذي ظل طي الكتمان إلى بداية التسعينات.

أفكار وآراء
في حوار سابق مع إحدى وسائل الإعلام قال السرفاتي إن عودته إلى المغرب تشكل «لحظة تاريخية متميزة وبداية صفحة جديدة في البلد»، ويرى أن «مسؤولية بناء الديمقراطية ليست فقط منوطة بالحكم، بل أيضا بالنخبة السياسية والأحزاب»، التي يحملها مسؤولية البطء في إحداث التغيير بداخلها، وكان السرفاتي من مؤيدي تشكيل هيأة الإنصاف والمصالحة التي ترأسها رفيق دربه الراحل ادريس بنزكري، والتي تم بمقتضاها عام 2005 تعويض آلاف من ضحايا الانتهاكات الجسيمة في المغرب والتي تعرف ب»سنوات الرصاص».
وسبق للسرفاتي أن قال ضمن لقاء جمعه بأحد صحافيي قناة الجزيرة في 10 يناير 2005، «إن الاستقبال الذي خصص لي عند عودتي، وأثناء الزيارات التي قمت بها إلى بعض المناطق، يفوق بكثير ما كنت أعتقد أنني قدمته للكفاح في المغرب، أنا ورفاق كثيرون، منهم (سعيدة منبهي)، سقطوا للأسف في ساحة المعركة، وكانت الخسائر كبيرة وجوهرية، ما قدمته ضئيل مقارنة بهذه التضحيات، وكان لدي انطباع بأنني طيلة هذه السنوات قمت بواجبي كمواطن مغربي وكمهندس كذلك، لأني حاولت في الستينات وبعدها الحفاظ على كرامة المهندسين، بتضامني مع عمال قطاع الفوسفاط في عام 1968، وأعتقد كذلك أنني أسهمت في حماية ماء وجه اليهود المغاربة الذين كان أغلبهم ضحايا للصهيونية كما تعلمون، وحتى في ما يتعلق بالقضية الأصعب، وهي قضية الصحراء، أعتقد، أنا ورفاقي في السبعينات، أننا حافظنا على كرامة بلدنا بتبنينا الموقف الصحيح الذي يبدو الآن راجحا لحسن الحظ، وهو ضرورة تسوية القضية بالوسائل السلمية، أعتقد من خلال كل ذلك أننا في آن واحد ناضلنا ولم نخضع للقمع، مع الحرص الشديد على مستقبل البلاد، لكن الاستقبالات التي حظيت بها في كل المناطق تتجاوز بكثير ما كنت أتصوره بشأن إسهامنا من أجل أن يرفع الشعب المغربي هامته، ويصبح على ما هو عليه اليوم، أي تربة خصبة لقيام الديمقراطية”.

فلسطين وإسرائيل
وعن بعده عن الصهيونية يقول السرفاتي، “كان عمري عشر سنوات في 1933 حين قال لي والدي ذات يوم في كنيس بشأن رجل يكثر الصلاة لكنه منافق، قال لي: إنه صهيوني والصهيونية لا تمت بأي صلة إلى ديننا، ففي هذا الجو وهذا التصور نشأت في كنف اليهودية المغربية المرتبطة منذ آلاف السنين بروح الأخوة مع الإسلام بشكل عام والإسلام في المغرب بصورة خاصة. وبقي السرفاتي المتحدر من عائلة يهودية من مدينة طنجة طردت من اسبانيا سنة 1492، مناهضا للصهيونية وقال في مقابلة سنة 2005 “لن ازور فلسطين إلا عند قيام الدولة الفلسطينية وبعدها سأزور أصدقائي اليهود في إسرائيل”.

بداية ونهاية
وصفت وكالة الأنباء الفرنسية مراسيم تشييع جثمان أبراهام السرفاتي بأنها “تشييع لجثمان أحد أبرز المعارضين لنظام العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني”، إذ أوردت بأن الراحل، الذي غطي تابوته بالعلم الوطني “كرس حياته من أجل النضال ضد نظام الملك الحسن الثاني ومن أجل حقوق الإنسان، كما كان من أشد المدافعين عن القضية الفلسطينية”.وضمن شهادة تأبينية للراحل قال الكاتب الفرنسي جيل بيرو، مؤلف كتاب “صديقي الملك”، إن السرفاتي كان “ضحية قمع شنيع وإن تعرض إلى أبشع أشكال التعذيب دون أن يتراجع أو يستسلم”.
وقالت رابطة حقوق الإنسان في فرنسا، ضمن وثيقة نعيها للسرفاتي، إن “المعارض المغربي الراحل كان مناضلا لا يكل من أجل العدالة والحرية، وكان يجسد بمفرده جزءا من تاريخ المغرب”، قبل أن تضيف: “إن إعادة السلطات المغربية الاعتبار للسرفاتي على غرار العديد من ضحايا القمع السياسي.. كانت خطوة فتحت الطريق أمام مرحلة جديدة في تاريخ البلاد دون محو الماضي”.
وقضى سرفاتي السنوات الأخيرة من حياته في مدينة مراكش، وكان يعاني متاعب صحية في الرئتين.

إعداد: جمال الخنوسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق