fbpx
ربورتاج

ربورتاج … آسـفـي آيلـة للانـهـيـار

فقدت الكثير من بريقها وصارت بدون هوية تنتشلها من براثن الإهمال

لم تعد آسفي تستهوي الكثيرين، وفقدت الكثير من بريقها ولمعانها، وانمحت العديد من مآثرها، وتحولت من مدينة ذات تاريخ عريق، إلى ما يشبه مدينة غارقة في التهميش والإهمال… وضع يزكيه غياب المسؤولية، حتى أن قطار الزلزال لم يصل بعد إلى هذه الرقعة من جغرافية الوطن.. كل شيء بهذه المدينة منهار.. فمؤشرات التنمية في الحضيض.. مدينة بدون هوية، هكذا حولتها البرامج الحكومية، وكأن الحكومات المتعاقبة منذ ستينات القرن الماضي، تصر على أن تصبح آسفي بلا مجد ولا أفق.

إنجاز: محمد العوال (آسفي) تصوير: (عبد اللطيف مفيق)

توقفت عقارب التنمية منذ أمد بعيد بهذه المدينة. حالها يشبه إلى حد ما حال ساعة مدارة الجريفات، إذ أن عقارب هذه الساعة تتوقف عن العمل شهورا، وحتى إن تطوع المسؤولون لتشغيلها، فإنهم لا يأبهون لضبط عقارب الساعة، وكأنهم خارج زمن هذه المدينة، تلك المدينة التي غابت عنها الرشاقة والأناقة، أناقة أهل حاضرة المحيط بتعبير ابن خلدون، مدينة أبهرت زائريها وشغفتهم حبا..

قرح دون فرح
فكل من يزور آسفي يَعز عليه فراقها، يقول عبد الله النملي، أحد الباحثين في الشأن المحلي، وكل من عرفها تعلق بها، إنها المدينة الباذخة في الفرح والقَرح، تُعطي وتجزل في العطاء، ولا تنتظر مقابلا لقاء ذلك.
آسفي مدينة فاتنة لا يخضع لجمالها كل من رآها فقط، بل يُتَيّم بها حتى من سمع عنها ووصله صيت أخبارها… هي تلك المدينة الضاربة في القدم، أنشئت على وادي الشعبة، منبع الطين والخزف الذي اشتهرت به، لا يعرف بالضبط العصر الذي تأسست فيه آسفي، فهي قديمة قدم التاريخ، وقد حيكت حول تأسيسها واشتقاق اسمها روايات متضاربة. وورد اسمها ضمن أمهات المعاجم، وذكرها ابن بطوطة في مذكراته الشهيرة التي ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة. وزارها وزير غرناطة لسان الدين بن الخطيب، وأعجب بها “الدون إمانويل”  ملك البرتغال، فشيّد بها كاتدرائية بهندسة فريدة، ووقّع ثلاثة من أبنائها على وثيقة الاستقلال. تقف أسوارها شاهدة على ماض مجيد، حتى وصل ساحلها القائد العربي عقبة بن نافع، ووصفت بأقدس مناطق المغرب، تُنبت أرضها الصلحاء كما تُنبت العشب، وأنشأ بها الشيخ أبو محمد صالح مؤسسة الركب الحجازي، حتى باتت مركز إشعاع علمي، ومنها أطلق سيدي محمد بن سليمان الجزولي الإشعاع لطريقته الصوفية، يقول النملي.
آسفي هي تلك المدينة، التي وصفها بلسان الدين ابن الخطيب، في قوله “آسفي لطف حفي وجناب خفي ووعد وفي ودين ظاهره مالكي وباطنه حنفي، الدماثة والجمال والجلال والصبر والاحتمال والزهد والمال، قليلة الأحزان صابرة على الاختزان وافية المكيال والميزان، رافعة اللواء بصحة الهواء، بلد موصوف برفيع ثياب الصوف، وبه تربة الشيخ أبي محمد صالح، وهو خاتمة المراحل لمسورات ذلك الساحل”.
تلك هي آسفي التي ضاعت بفعل تقلبات الزمن، الذي حمل إليها مسؤولون لم يحافظوا على إرث تاريخي مفعم بالأناقة والجمال.

لا منارة هنا
وضع آسفي اليوم، يدمي القلوب، ويسائل كل المسؤولين الذين أرادوا لها أن تكون مدينة سياحية، وأعدموا فيها كل المآثر والمزارات، التي لم تصمد أمام إهمال المسؤولين ولا مبالاتهم، ثم أرادوا لها أن تكون مدينة صناعية، فأغرقوها بالمشاريع الملوثة، ولم يقدموا لأبنائها ولو مستشفى يليق بحجم الضرر النابع من مصانع الموت البطيء، المتراصة جنوب المدينة، ثم أرادوا لها أن تكون عاصمة للصيد الساحلي، فلوثوا محيطها، وأهملوا ميناءها، ثم أرادوا لها ذات زيارة ملكية أن تكون عاصمة للصناعة التقليدية، بفعل صناعة الخزف التي اشتهرت بها، فأنشؤوا بها قرية للخزفيين ما زالت مغلقة، تشهد على عبقرية بعض المسؤولين الذين يتفنون في تبذير الأموال العامة، تحت يافطة التنمية المزعومة.
لم تعد آسفي تغري الكثيرين، وصارت مدينة تختزن كل مظاهر الحزن… كل الأحياء والطرقات والأزقة تبكي لوضع يأبى الارتفاع، “حين أزور الآن آسفي، وأخبط قليلا في فضاءاتها، أجد أنني أفقد بالكامل زهو تلك الأيام، وأحزن لمضي بهائها…  فالأبنية اكتست ألوان الصدأ، وصارت مرقطة جدرانها بالرطوبة، وانحفرت المسالك وتآكل الطوار..”، ذالك حال آسفي اليوم كما تقول الأديبة ربيعة ريحان، في وصفها للمدينة التي تربت بين أحضانها وعشقتها بحنو..
هكذا إذن تنقشع صورة آسفي تلك المدينة الصفراء، التي تندس في الصفرة وألق الشمس وبياض الدروب التي تعبث فيها الريح مساء، ويأتي الموت العائد بالهدايا المفخخة والرقصات التي توجع الجسد، لتتهادى إلى الذاكرة وعود الماضي.
وعود قديمة

حينما تم إنشاء معامل الكيماويات، وهاهي اليوم محطات لتوليد الطاقة، ووعود كبيرة، لاشيء يتحقق منها على أرض الواقع، سوى أكسدة الهواء والبحر..وحده الموت العائد من جنوب المدينة ما يتحقق.
من يلج اليوم آسفي، يحزن كثيرا، إنها مدينة تنهار يوما عن يوم. ليس وحده قصر البحر الذي انهار جزء مهم منه، بل حتى “حي تراب الصيني يشبه إلى حد كبير حيّا مقصوفا من تلك الأحياء في الشام والعراق التي تصلنا صور دمارها عبر نشرات الأخبار”، يقول الشاعر ياسين عدنان.
أما معامل تصبير السمك، التي كانت بالعشرات، فلم يتبق منها سوى بضعة معامل، ونساء اصطففن هناك أمام ما تبقى من المعامل لتناول وجبة الغذاء، قبل استئناف رحلة عمل شاق، بحثا عن لقمة عيش حار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى