fbpx
الصباح الـتـربـوي

مدرستي الحلـــــوة: ابن خلدون… شوق وحنين

بقايا صور مشتتة. بياضات تتوسطها ذكريات مبعثرة، غير واضحة المعالم، مزيج من متعة الاستذكار وألم ذكريات موغلة في أعماق السنين. حينما أستحضر أول يوم دراسي في حياتي، أمضيته في السنة الأولى ابتدائي بمدرسة ابن خلدون، بقلب مدينة الناظور، لا تكاد تحضرني سوى رؤى مضببة، فالعقود الأربعة التي تفصلني عن هذا اليوم ، مسحت آثار التذكر، وقضت على كل أمل في استرجاع تلك الذكريات الجميلة. حتى بناية المدرسة، رغم صمودها في وجه عوادي الزمن، وهزات الطبيعة، لم تسلم من “جراحات التجميل” التي غيرت شيئا ما من وجه هذه المعلمة، التي ما زلنا نفخر بها بالمدينة. ظلت البناية، رغم كل شيء، هي هي ، في شكلها، وكلما مررت بها، اليوم، تتراءى أمامي بعض مشاهد تلك الأيام”الحلوة” التي قضيتها في هذه المدرسة.
كان والدي، رحمه الله، يُدرس في المؤسسة نفسها، ولذلك لم يكن له خيار آخر سوى أن يسجلني فيها. لم يكن واردا أن أدرس في مدرسة أخرى. كانت صفة ” ابن المعلم”، تخلق لي متاعب مع باقي التلاميذ، الذين كانوا يعتبرون أنني محظوظ، و”مدعم”، وبالتالي كان تخوفهم أن أحظى بمعاملة تفضيلية. في الواقع، لم أحظ بأي معاملة خاصة، بل إن  الميزة الأساسية لكوني “ابن معلم” يدرس في المدرسة نفسها التي أدرس فيها، أنني ولجت عالم الدراسة وسني لم يكن يتجاوز السادسة، وكان هاجس والدي، من وراء ذلك، هو ربح الوقت، هو الذي نزل من المنطقة الجبلية المعروفة بـ”بني توزين”، التي تبعد بحوالي 100 كيلومتر عن مدينة الناظور،  بهدف وحيد هو تمكين أبنائه من الدراسة. كان السؤال المركزي الذي شغل بالي كثيرا ولمدة طويلة، هو لماذا لم يدخلني والدي إلى الكتاب( المسيد)،  جريا على عادة الأطفال الآخرين، خاصة أنه كان فقيها في  الدين، إذ درس القرآن وحفظ الحديث؟ لم أعثر على الجواب إلا في وقت متأخر، إذ أصبحت مقتنعا أن والدي كان يريد أن يساير الزمن، وكان يعرف عقم المنهجية المتبعة في الكتاب، فكان حريصا على أن يعفي أبناءه منها، ومن العنف الذي كان يلازم حفظ القرآن في المسيد، حيث “زرواطة الفقيه” هي العنوان البارز للتعليم العتيق، آنذاك.
شعور غريب ذلك الذي انتابني حينما وطأت قدمي أرضية المدرسة التي يتوسطها فضاء دائري الشكل، كنا نستريح فيه بين حصتي الدرس. قدمني والدي للمعلم قبل أن يتركني وحيدا أمام المجهول،  تتصارعني  أحاسيس هي مزيج من الخوف والترقب،والتوجس من المستقبل. لازمني الخوف طيلة اليوم الأول من الدراسة. كنت كمن تخلى عنه أبوه. هذا الفراق الأول مع والدي شكل لي عقدة. كنت أشعر أن عيون  التلاميذ مصوبة اتجاهي، وهو ما عمق ارتباكي،  إلى درجة أنني كنت أحس بزلزال تهتز له قدماي.
كانت الدراسة تسير في أجواء روتينية، في هذه المدرسة ذات الصيت الجيد التي تخرج منها العديد من الأطر. كان المدرسون معروفين بالصرامة، والتقيد بأوقات العمل، وحريصين على تعليم النشء أبجديات الكتابة، والقراءة، والحساب، بنية صادقة. وكان مدرسي، لا يشذ عن هذه القاعدة، فكان يواظب على الحضور، ويوجهنا، ويقوم بتأديبنا حينما كنا نفشل في استحضار درس اللغة العربية. كان الغياب والشهادات الطبية” ظاهرة” غير معروفة، يومها، عكس ما هو عليه الحال اليوم، بل كانت المواظبة على الحضور، والجدية في التعليم، هي القاعدة. لم نسمع أن المعلم تغيب إلا لضرورة. وبفعل ذلك، كانت أيام الغياب، على قلتها، تشكل لنا  “عيدا”، نتنفس فيه الصعداء، وترتاح فيه أنفسنا من القسمات الصارمة للمعلمين، الذين كانوا لا يترددون في تعنيفنا. كنت أحضر الدروس وعقلي شارد، إذ لم أكن أنخرط كليا فيها، ولم أكن أحس بأية متعة في تلقيها، لأسباب قد تعود إلى أنني كنت، آنذاك، عاجزا عن استيعاب أهمية التلقين والمعرفة، وكان ينتابني إحساس بأنني غريب في ذلك العالم، وكان القسم يساوي عندي السجن،إذ تغيب الحرية . كان بيتنا لا يبعد كثيرا عن المدرسة، ورغم ذلك كان أبي هو الذي يتكلف بإيصالي إلى المؤسسة، ومرافقتي إلى البيت أثناء العودة.  
كوني ابن المعلم لم يكن يعفيني من تعنيف المعلم لي، في بعض الأحيان، ربما في إطار الحرص على المساواة بين التلاميذ.
قضيت ثلاث سنوات في مدرسة ابن خلدون، قبل أن أنتقل إلى مدرسة أخرى، بعدما رحلنا من بيتنا القديم، لتبدأ مرحلة أخرى جديدة من حياتي.

جمال بورفيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى