fbpx
خاص

بنكيران… الطريق إلى مكتب الرئاسة

بين مشاوراته مع الأحزاب واستشاراته مع محيط الملك بقي رئيس الحكومة خارج أسوار القصر

في مقر وزارة الداخلية يوم 26 نونبر الماضي، كانت كل الأنظار مشدودة إلى رجل يتحرك في كل مكان، يبحث بين الزعماء السياسيين الواقفين عن حلفائه المفترضين، ويبادل رجال الدولة الحاضرين التحية بأحسن منها، ويداعب رفاقه في الحزب الذين حضروا بدورهم للاحتفال بالفوز في الانتخابات. كان عبد الإله بنكيران، أمين عام حزب العدالة والتنمية، في ذلك اليوم، رجل المناسبة بامتياز، مناسبة إعلان النتائج شبه المؤقتة للانتخابات التشريعية، قبل أن يتأكد الاكتساح الإسلامي بإعلان النتائج النهائية للدوائر الانتخابية المحلية والوطنية.

بنكيران يبدأ مشاوراته قبل تعيينه
لم ينتظر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، تعيينه رسميا، ليبدأ اتصالات بأحزاب الكتلة الديمقراطية بشأن تشكيل تحالف حكومي يقوده حزبه، فالدستور الجديد واضح هذه المرة ويعطي رئاسة الحكومة، وتشكيل الحكومة، إلى الحزب الذي يتصدر الانتخابات، وبهذا فإن بنكيران لم يتردد في مفاتحة من يعتبرهم الأقرب إلى التحالف معه، في يوم إعلان النتائج، بدأ بالاستقلال فالتقدم والاشتراكية ثم الاتحاد الاشتراكي، انسحب الأخير إلى المعارضة، بعد تردد طويل حسمته أغلبية المكتب السياسي، وتحالف معه من بقي من الكتلة، وإن اختلفت مواقفها بشأن تبريرات المشاركة في الحكومة.
بالمقابل، أبقى بنكيران، قبل تكليفه رسميا رئيسا للحكومة، الباب مواربا أمام التحالف مع أطراف حزبية من خارج الكتلة، وبهذا ضمن أن يحتضن حزب الحركة الشعبية، الذي ظل إلى إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية، ضمن تحالف معاد للعدالة والتنمية أطلق عليه “تحالف جي 8”. كان الهدف من هذه “الفتحة” أن يحافظ الحزب على حبل الود موصولا مع أحزاب يمينية، وبعد جولة أولى من المشاورات التي باشرها بنكيران، بصفته رئيسا للحكومة مكلفا بتشكيلها من قبل الملك، اتضح أن “حبل الود” كان له تأثير على موقف أحزاب من خارج الكتلة قبلت المشاركة في حكومة العدالة والتنمية.

الحكومة رقم 30 في تاريخ المغرب
بتسمية عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة يكون المغرب أقفل الحكومة رقم 30 في تاريخه منذ الاستقلال. وبذلك اكتسب المغرب على مدار أربعة عقود تجربة سياسية كبيرة، وراكم ديمقراطية محلية بدأت تكبر منذ أعلن الدستور الجديد التعددية السياسية ليقطع بذلك الطريق أمام الحزبية الوحيدة، ويفتح الباب أمام تعددية سياسية تحولت بعد وقت طويل إلى معيق سياسي في حد ذاته، بسبب تنامي ظاهرة “البلقنة” في الحقل الحزبي. في البداية، ظلت مشاورات رئيس الحكومة، منذ تعيينه، تراوح مكانها بسبب تعثر انعقاد الأجهزة التقريرية للأحزاب التي طلب التحالف معها، فالاستقلال ربط مشاركته بوزن الحقائب الوزارية وموافقة مجلسه الوطني، بعد أن أقرت لجنته التنفيذية المشاركة في الحكومة، والتقدم والاشتراكية اشترط أن تمر مشاركته في تجربة بنكيران عبر بوابة الكتلة الديمقراطية، قبل أن تسقط لجنته المركزية هذا الشرط وتصوت بأغلبية ساحقة لصالح قرار المشاركة في الحكومة، أما الحركة الشعبية فقد دخلت الحكومة بعد أن فكت ارتباطها بتحالف الأحرار والبام.
وفي قراءة لتركيبة الأغلبية، يرى بعض المتتبعين للشأن السياسي، أنه بـ”النظر إلى المرجعية الإيديولوجية للأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي، والتي تتمايز من إسلامية إلى يسارية ويمينية، يظهر أن هذا التحاف غير عاد ويبنى من الناحية المرجعية على أشياء غير واضحة”. هذا الوضع يطرح إشكالية التعايش بين مكونات التحالف والتكامل في الرؤى والتصورات التي سيشتغل عليها الفريق الحكومي من خلال صياغة البرنامج الحكومي.

خلافات الاستوزار بين القصر والتحالف
وقبل أن تظهر الخلافات بشأن توزيع الحقائب، واعتراض القصر أحيانا وأحزاب التحالف أحيانا أخرى، على طبيعة الحقائب والأسماء المرشحة للاستوزار، كانت تركيبة بنكيران الحكومة استقرت على ثلاثة أحزاب، إلى جانب العدالة والتنمية، لتكون بذلك واحدة من الحكومات القليلة في تاريخ المغرب التي مثلت بهذا العدد المحدود من الهيآت السياسية، فقبلها كان عباس الفاسي يقود تحالفا للأغلبية يضم أكثر من خمسة أحزاب، وإن جرى إدخالها بتعديلات وزارية متتالية، وحتى في حكومة عبد الرحمان اليوسفي التي تأسست بضمانة من الملك الراحل الحسن الثاني، الذي أمن للاتحاديين الأغلبية في مارس 1998، فإن تركيبة الحكومة في عهده ضمت أحزابا من اليمين واليسار ومساندة، وإن نقدية، من الإسلاميين أنفسهم الذين وصلوا إلى رئاسة الحكومة اليوم، وكانوا حينها أقل من عشرة نواب في البرلمان.
في جولات التشاور بشأن تشكيل الحكومة، بدا لرئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، الدور الاستراتيجي الذي كان يلعبه مستشارو الملك في الترتيب لتشكيل الحكومة، سواء تعلق الأمر ببناء التحالف أو بتسمية الوزراء أو بفرض احترام ميثاق التحالف نفسه من قبل الأحزاب المكونة له. فقد تدخل المحيط الملكي، في آخر لحظة، لإعادة ترتيب أوراق بنكيران، تارة بالتنبيه وتارة بالإرشاد إلى تصحيح مسار التفاوض، رغم أنه بالمقابل اعترض على أسماء ووافق على أخرى، ما كاد يتسبب في حالة بلوكاج طويل.

السلطة التنفيذية في الدستور

فصل الدستور الجديد بين التنصيب والتعيين بالنسبة إلى الحكومة، فقد جعل القانون الأسمى التعيين من اختصاص الملك، بينما ربط بدء ممارسة الاختصاصات التنفيذية بالتنصيب الذي فوضه الدستور إلى الغرفة الأولى، إذ “تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح برنامج الحكومة”، وبهذا تكون أولى التغييرات التي حملها الدستور في ما يخص ممارسة السلطة التنفيذية تهم طبيعتها ومنهجية تنصيبها.
بالمقابل، حصرت التعديلات الدستورية صلاحيات الملك في تعيين رئيس الحكومة، وذلك بدسترة إعمال مبدأ احترام المنهجية الديمقراطية، إذ ينص الفصل 47 من الدستور على أنه “يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.. (كما) للملك، بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضوا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم”، فيما تتداخل صلاحيات الملك مع اختصاصات الرئيس الحكومة، فيما يتعلق بممارسة السلطة التنفيذية، في رئاسة الملك للمجلس الوزاري، الذي يتألف من رئيس الحكومة والوزراء، وينعقد بمبادرة من الملك أو بطلب من رئيس الحكومة، كما “يمارس الملك هذه المهام، بمقتضى ظهائر، من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور”.

حكومة بنكيران… من التكليف إلى التنصيب

ووفق مقتضيات المادة 87 من الدستور الجديد، فإن رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، سيكون عليه، بعد تعيين الملك لأعضاء حكومته، أن يتقدم أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه. و”يجب أن يتضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به، في مختلف مجالات النشاط الوطني، وبالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية”. وهكذا بعد التعيين لأعضاء الحكومة “يكون البرنامج المشار إليه موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين، يعقبها تصويت في مجلس النواب”، إذ لا تعتبر الحكومة منصبة إلا بعد “حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح برنامج الحكومة”.
مباشرة بعد التنصيب تبدأ الحكومة في ممارسة السلطة التنفيذية، إذ تعمل “تحت سلطة رئيسها، على تنفيذ البرنامج الحكومي وعلى ضمان تنفيذ القوانين، والإدارة موضوعة تحت تصرفها، كما تمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية”، في حين يكون الوزراء مسؤولين عن “تنفيذ السياسة الحكومية كل في القطاع المكلف به وفي إطار التضامن الحكومي”. بالمقابل يجعل دسترة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، أعضاء الحكومة “مسؤولين جنائيا أمام محاكم المملكة، عما يرتكبون من جنايات وجنح، أثناء ممارستهم لمهامهم”.

إحسان الحافظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى