fbpx
الصباح الـتـربـوي

مدرستي الحلـــــوة: مدرسة معروف الرصافي… الحنين إلى زمن الصبا

كان خوف والدي علي من آفات النقل المدرسي وازعهما الأساسي في أن أنتقل إلى مدرسة معروف الرصافي العمومية، سيما أنها علاوة على أنها ذائعة الصيت ومعروفة بجدية أطرها التعليمية وكفاءتهم، وارتفاع معدلات النجاح بها مقارنة مع مثيلاتها بالمدينة، كانت لا تبعد عن منزلنا بحي ديور التازي بمكناس، وكلها مؤشرات اجتمعت لتشكل حافزا مشجعا لإقناع والدي على الالتحاق بأحد فصولها. ولأن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، أحيانا، قوبل طلب والدي بالرفض، بدعوى أنه لم أبلغ بعد، حينها، السابعة من عمري، أي أنه ممنوع على الذين في مثل سني أن تطأ أقدامهم باب المدرسة، لكن هذا الرفض لم يدم سوى بضعة أيام، لأجد نفسي، من جديد، أستيقظ باكرا، وأتأكد من أن كل أدواتي المدرسية داخل محفظتي، أمسك بيد والدتي ونسلك معا طريقا في مدة زمنية لا تتعدى خمس دقائق، أستظهر فيها ما علق في ذهني من دروس وقواعد، أمضت والدتي ساعات في تلقينها إلي.
شعور غريب ذلك الذي انتابني وقدماي تطآن أرضية المدرسة المنقسمة إلى جناحين تتوسطهما حديقة كبيرة، تناثرت بها شجيرات، مختلفة الأشكال والأحجام، فيما زينت جدرانها بأمثال وعبر تحث التلاميذ على الكد والاجتهاد والتحلي بمكارم الأخلاق.
وجهني حارس المؤسسة بعد حوار قصير دار بين المدير ووالدي، الذي فوجئت به داخل المؤسسة، إلى الفصل، حيث سأتلقى دروسي بالسنة الأولى ابتدائي، علما أنه كانت مرت أسابيع على انطلاق الدراسة قبل التحاقي.. ما زلت أذكر أني كنت دخلت إلى المدرسة في الشطر الثاني من الفترة الصباحية. أخذت مكاني في آخر طاولة من ثاني صف من الصفوف الأربعة التي تؤثث الحجرة، مكرهة، لكني، ما كنت لأجرؤ على الاحتجاج، فأنا وصلت متأخرة، وأكيد أن المعلمة أو المعلم المسؤول عن الفصل (لم أكن أعرف بعد من سيكون) قد وضع ترتيبا محكما لأماكن الجلوس، يصعب علي أنا الملتحقة الجديدة خرقه. دق الجرس معلنا نهاية فترة الاستراحة، ودخلت علينا المعلمة الفاضلة «فاطمو الملولي» بوزرتها البيضاء وابتسامة خفيفة ارتسمت على محياها لم تخف قدر الحزم والصرامة التي تطغى على شخصيتها، كانت على علم بالتحاقي، وانتهت فجأة قهقهات وأحاديث الصبية زملائي في الفصل حينها. توجهت رأسا صوب أحد التلاميذ، أعتقد أنه كان يدعى حميد، وضربت يديه السمراوين بعصا خشبية. لم أستطع حينها منع نفسي من البكاء، ولأن كبريائي منعني من إظهار حالة الذعر التي كنت عليها، استنجدت بمنديلي الوردي المطرز لأمسح دموعي وحرصت كل الحرص على ألا ينتبه أحد إلى ذلك، مصطنعة أني أعاني نزلة برد، خلت حينها أنه حتما المعلمة ستقوم بعقابنا، جميعا، فأنا وصلت متأخرة، ولم أكن اعلم سبب عقاب حميد «المسكين»، انتظرت نصيبي من الضربات، لكن معلمتي انتبهت إلى حالة الذعر التي كنت عليها، رغم محاولاتي اليائسة إخفاءها، دنت مني فزادت سرعة دقات قلبي، سألتني عن سبب ما أنا عليه، لم أستطع الإجابة، بقيت صامتة مصممة على ألا أدع أحدا يرى دموع الخوف تنهمر على وجنتي، فاسترسلت قائلة أن العقاب جزاء كل متهاون وأنه لن يكون مآلي إن أنا قمت بواجباتي وراجعت دروسي. ارتحت لحديثها وبادلتها بابتسامة، لم تخف النشوة التي كنت أشعر بها، فأنا كنت أعلم أني لن أخيب ظنهاـ وأنا التي لن يكن يكفيها تلاوة نصوص «القراءة» الزرقاء، بل حفظها عن ظهر قلب وانجاز التمارين حتى قبل أن أُطالب بها. في اليوم الموالي انتقلت للجلوس في الطاولة الأولى مباشرة أمام مكتب معلمتي التي كانت قدوتي بجديتها التي لا تنفي عنها الحنان والطيبة.

هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق