fbpx
دوليات

حتمية التوافق سبيل خلاص مصر

كل مواطن عاقل مطالب بإنقاذ بلده ولن يكون ذلك إلا بتوافق كل أطياف المجتمع

لم أشعر قط وأنا مقدم على الكتابة أنني حزين مكسور من أجل مصر مثل إحساسي الآن. مصر تستأهل أفضل مما هي فيه بكثير. التنافر والتناحر والتنابذ هي السمة الغالبة على أغلب مظاهر الحياة في وقت كان يتعين فيه أن تتكاثف كل الجهود من أجل بناء البلد. أكاد أحس أن مصر تترنح وتتوسل إلى أبنائها أن ينقذوها وأن يجيروا عثرتها بدل أن ينهال عليها البعض تمزيقاً وهدماً.

أحس أحياناً- كما أحس الآن- أنني عاجز عن التفكير، وليس أصعب من الإحساس بالعجز شيء. لعل ذلك يعود جزئياً إلى ما أعانيه من نزلة برد قاسية أرجو أن تزول وأن يزول معها هذا الإحساس الكئيب، الذي أتصور أني لست وحدي فيه وإنما يشاركني فيه الغالبية من المصريين الذين يحبون هذا البلد ويشعرون بفداحة المسؤولية الملقاة علينا جميعاً في هذه الأوقات العصيبة.
ما أبعد المسافة بين صورة مصر في 25 يناير الماضي وصورتها الآن في نظر العالم.
في 25 يناير والأيام القليلة التالية له كان العالم كله يتحدث عن ثورة رائعة بيضاء وحّدت المصريين جميعاً- من خرج منهم ومن لم يخرج إلى الميدان- على قلب رجل واحد. والآن، أظن أنني لا أحتاج إلى وصف ما يجري حالياً على أرض الكنانة. التي أرجو أن تبقى كنانة الله في أرضه.
الذي استمع إلى خطاب كمال الجنزوري منذ يومين يهوله الفارق الشاسع بين ما كان يعرض على مصر في أعقاب ثورتها وما هو حادث الآن.
الكل كان مستعداً وبصدق لمد يد العون إلى مصر. دول الخليج العربي ودول الاتحاد الأوربي وصندوق النقد الدولي كلها أعلنت استعدادها لتقديم مليارات الدولارات إلى مصر، لكي يأخذوا بيدها ويقيلوا عثرتها. أما الآن فقد تغيرت الصورة تماماً. صورة مصر الآن لا توحي لأحد بالثقة. وكيف توحي بالثقة، والمصريون أنفسهم لا يثق بعضهم في بعض. هذا هو موجز ما قرره الدكتور/ كمال الجنزوري عن علم وبينة. وهو كلام خطير أتصور أنه يجب علينا جميعاً أن نقف عنده ونفهم دلالاته.
نشرت صحف السبت الماضي، نقلاً عن الصحافة العالمية «أن المأزق الحالي الذي تمر به مصر لا يليق بها»، ووصف المقال نفسه أن كل القوى الموجودة على الساحة «قد أساؤوا إلى هذه الأرض المقدسة».. هذا ما قاله الإعلام العالمي وهو للأسف المّر صحيح تماماً. فما الدلالات وما هو سبيل الخلاص مما نحن فيه؟
الاجتهادات كثيرة والرؤى مختلفة، ولكن مصر لا تستطيع أن تستمر طويلاً على هذا الحال. فما العمل؟ الحل هو مسؤولية الجميع. كل مصري عاقل مطالب بإنقاذ مصر مما وصلت إليه ولن يكون ذلك إلا نتيجة توافق قومي بين كل أطياف المجتمع وأجياله ورجاله ونسائه ومسلميه وأقباطه. الكل مدعو إلى المشاركة ولا حجر على أي أحد لأي سبب من الأسباب، ولكن ما هي الآلية التي تدير هذا التوافق لتصل به إلى غايته من تفريغ الاحتقان واستقرار الأمن وعودة عجلة الإنتاج رويداً رويداً؟
عندي اقتراح محدد أن يقوم الصديق منصور حسن بصفته رئيس المجلس الاستشاري ومعه كل أعضاء المجلس، بتوجيه الدعوة على نطاق واسع إلى كل القوى والنشطاء السياسيين والمفكرين وأهل الخبرة والرأي في جلسات متتالية وتطرح عليهم كل الموضوعات الخلافية للوصول إلى كلمة سواء.
وأقترح على سبيل المثال لا الحصر أن يدعى إلى هذه الاجتماعات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب وقداسة البابا شنودة الثالث المعظم، والدكتور كمال الجنزوري، المكلف بتشكيل وزارة الإنقاذ الوطني، وعدد من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة يختارهم الأخير، وكل الأعضاء الذين فازوا في انتخابات المقعد الفردي لمجلس الشعب في كل الدوائر، وأعضاء المجلس القومي لحقوق الإنسان، ومجلس أمناء مدينة زويل ومجلس أمناء مؤسسة مجدي يعقوب، والجمعية الوطنية للتغيير، وجميع المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية، وعدد من الشخصيات العامة التي تحظى بتقدير واحترام عام، وأن يسمح لكل من يطلب من أفراد الشعب قاطبة أن يحضر وأن يتكلم، ملتزماً بآداب الحوار والأخلاق العامة والنظام العام.
وأقترح أن تعقد جلسات التوافق هذه إما في قاعة الإمام محمد عبده أو في قاعة جامعة القاهرة أو في قصر المؤتمرات، وأن تذاع المناقشات والحوارات على الهواء مباشرة لكي يشارك الشعب كله في متابعاتها.
وأتصور أن هذا الحوار قد يستمر بين شهرين أو ثلاثة، وخلال هذه الفترة يمنع منعاً باتاً وبحسم شديد كل المظاهرات والاعتصامات وكل صور تعطيل الحياة والمؤسسات العامة، على أن يتوجه كل من أراد أن يعبر عن رأيه إلى مكان اجتماعات التوافق وتعطى له الكلمة.
وفي تلك الفترة يكون مجلس الشعب قد انعقد في 23 يناير من العام المقبل وتكون حكومة الإنقاذ قد بدأت عملها في دعم الأمن ووقف التدهور الاقتصادي والبدء في تحريك عجلة الإنتاج وعودة السياحة تدريجياً.
هذا اقتراح أضعه تحت نظر الجميع وأدعو إلى مناقشته والتعديل فيه والإضافة إليه في سبيل الخروج بمصر من هذا الخطر الداهم الذي يوشك أن يعصف بالحاضر والمستقبل جميعاً، رحم الله مصر وألهم أبناءها الرشد والصواب… وتعالوا جميعاً نتكاتف من أجل إنقاذ مصر.

يحيى الجمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق