fbpx
افتتاحية

زهرة المدائن

قيل لجمال الدين الأفغاني: “إن المستعمرين ذئاب”، فقال: “لو لم يجدوكم نعاجا لما كانوا ذئابا”.
تُشخص مقولة المفكر الإسلامي الشهير داء هزائم صفعت العرب والمسلمين في العصر الحديث، ففضلوا التوجه إلى الأطلال يرثون أمجادهم ويندبون حظهم العاثر.
آخر مهانة العرب والمسلمين، قرار دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، القاضي بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس الشريف، رغم إجماع دول العالم على أن المدينة المقدسة قضية “وضع نهائي” يتعين أن تحل عبر المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائليين على أساس قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.
علا الصراخ والاحتجاج والتنديد والوعيد، مباشرة بعد الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للإسرائيليين، علما أن قرار ترامب ليس مفاجئا، ولا أحد فكر، يوما، أن يسلم رئيس أمريكي مفاتيح القدس إلى العرب، أو يضغط لإيجاد حل نهائي لصراع طويل، أو يجبر الإسرائيليين على وقف القتل والاستيطان وتهويد زهرة المدائن.
لقد وعد ترامب، قبيل انتخابه، بوقف زحف المهاجرين، ومنع مواطني دول إسلامية من الهجرة، فوفى بوعده، وتعهد بدعم الإسرائيليين، واختار التوقيت لتنفيذ ذلك بالاعتراف بالقدس عاصمة لهم.. فلم الاستغراب إذن؟
اقتصرت ردود الأفعال العربية على نصف الكأس الفارغ، فالشعوب العربية تحمل المسؤولية لزعمائها، والزعماء كُبلت أياديهم باتفاقيات دولية، وصراعات داخلية، وأوضاع إقليمية تبعث على الأسى من حالهم، وضاعت قضية فلسطين بين التشفي وأصوات مبحوحة عاجزة.
حقبة جديدة تُكتب في تاريخ المحن العربية، ورثاء القدس بالبكائيات، ربما، يذكي الحماس، لكنه لن يؤدي إلى إدارة دفة المواجهة، فالأكيد، الآن، أن أمريكا ورئيسها في عزلة دولية، مما يفرض استغلال الحدث لتحقيق مكاسب دفاعا عن الحق.
كل العالم يتضامن مع الفلسطينيين، وقضية القدس أعادت الصراع إلى نقطة البداية، إذ لا يجب أن ننسى أن المدينة مهد أتباع الديانات الثلاث، و تحتل مكانة متميزة في قلوب المسيحيين واليهود والمسلمين، والتاريخ يتحدث عن قرون من التعايش حول هذه المدينة، وحتما سيتجاهل النيران التي أشعلها ترامب.
ربما يدفع الضغط العالمي إلى تأجيل قرار ترامب، فأمريكا ترفض العزلة، وتحسن قراءة تأثير قراراتها على مصالحها في العالم، والخوف كل الخوف أن تتحول نار القرار إلى رماد، ونتابع، بعد سنوات، دولا عربية تسارع لتطبيع علاقاتها السياسية مع الإسرائيليين، أو تنقل سفاراتها إلى القدس، حينها تصدق مقولة جمال الدين الأفغاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى