fbpx
خاص

الــــــزلــــــــزال

سنة الانتخابات التي هزت أركان ثلاثة أنظمة عربية وجعلت الثورة قصيدة شعر تتغنى بها الشعوب في الميادين والساحات

في عددها الأخير، فتشت مجلة “تايم” الأمريكية في وجوه كل شخصيات العالم لاختيار واحد، أو واحدة منها علما مميزا لسنة 2011، فلم تجد غير شاب ملثم بنظرات حادة خلفه لهيب نار وغضب، وأطلقت عليه “المحتج” وتوجته اسما مطلقا لعام قلب وجه العالم، وحمل كل جينات الاستثناء، وسيفرض على المؤرخين ومقتنصي اللحظات الفارقة وضع فواصل كبيرة ما قبل 2001، وما بعد ثورة بمسميات عربية وأمازيغية وكردية وإسلامية ومسيحية وعلمانية وليبرالية لبست ألوان الربيع.
2011، كان يمكن أن تبدأ وتنتهي رتيبة ككل سنوات عطشنا السابقة إلى الحرية والديمقراطية والعدالة والحق في الصراخ، قبل أن يطلقها محمد البوعزيزي، الشاب التونسي بسيدي بوزيد، احتراقا ولهيبا في جسده الذي اختزل، في لحظة، جغرافيا الوطن العربي وأشعل الساحات والشوارع والميادين بأجساد وحناجر أخرى، ربما كانت تنتظر لحظة احتراق قاسية كي يعم الغضب الأرجاء، ويرتفع عاليا شعار “ارحل”… ويتوالى سقوط أنظمة العار مثل حبات سبحة منفرطة.
2011، بدأت من مجرد فكرة في الاحتجاج، بطريقة ما، ضد يد امتدت لتصفع بائعا متجولا بمكان ما من الوطن العربي، قبل أن تتحول الفكرة إلى مشروع غضب عارم وزحف في الشوارع وثورة مبرمجة على سقوط أنظمة الاستبداد والفساد من البحر إلى البحر، ثم ربيعا بكل الألوان أزهر إلى حد ما نظاما ديمقراطيا في تونس، حين اعتلى المناضل الحقوقي والمعتقل السياسي السابق منصف المرزوقي سدة الحكم مكان الرئيس الهارب.
2011، يمكن تدوينها لحظة لحظة وثانية ثانية وجزءا من الثانية دون أن يتسرب إليك الملل، كما يمكن كتابتها بأشكال مختلفة تتوحد، في النهاية، في عنوان كبير اسمه “التغيير”.
“التغيير” الذي كان لا بد أن يتخذ في تونس صيغة هروب مذل في جنح الظلام، وفي مصر قرار استقالة مكرهة وشريطا من المحاكمات وجلسات استنطاق، وفي ليبيا صورة ملك لكل الملوك انتهى في قبضة شباب عبثوا بمؤخرته قبل أن يردوه قتيلا مثل جرد، ويلبس في سوريا شكل عناد طائفي مصبوغ بالأشلاء والدم، ويطلع في اليمن من رائحة الشياط ورئيس محروق يحمل شعار “ارحل” في وجه شعبه، دون حياء.
2011، كانت سنة مغربية أيضا، وثورة على مقاس الخصوصية، ورغبة مشتركة في صنع استثناء مطلوب، بدأ في شكل حركة رفعت منذ البداية، سقفا واضحا للمطالب وشعارا كبيرا ظلت وفية له إلى اليوم “سلمية سلمية لا موس ولا جنوية”، ما أثمر، في المقابل، تجاوبا في شكل مسلسل للإصلاحات السياسية بدأ بخطاب 9 مارس الماضي، وانتهى بإقرار دستور جديد وانتخابات تشريعية سابقة للأوان وتغييرا في بنى الحكم، حين أعطى الملك الإشارة لحزب إسلامي لقيادة الحكومة المقبلة.
2011، هي أكثر من اللحظات التي أوردناها على سبيل الاختزال المتعسف، إنها ترسانة “قوانين رمزية” وأيقونة تغيير ستضبط إيقاع العالم والتاريخ خلال العقود المقبلة…وكل ربيع وانتم بخير.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى