ملف الصباح

تشييـد المـلاح… قـرار سلطانـي

كان يعتبر القلب النابض للمدن لاحتضانه أهم الأسواق التجارية
يشير محمد كنبيب، في كتاب “المسلمون واليهود بالمغرب من الجذور إلى الآن”، إلى أن حي الملاح يبنى غالبا قرب القصور الملكية ومقر السلطة في المغرب، إذ كانت أحياء الملاح القلب النابض للمدن لأنها تحتضن أهم الأسواق التجارية، وساهمت في الحفاظ على الخصوصية اليهودية لمئات السنين.
ويوضح كنبيب أن قرار تشييد أحياء خاصة باليهود يعود إلى السلاطين المغاربة، الذين أرادوا حمايتهم من الفوضى التي تندلع في المدن، لأنهم يشكلون مصدرا أساسيا لتزويد خزينة الدولة بالمال.
“الملاح عبارة عن شكل معماري خاص باليهود في العواصم التاريخية للمغرب، مكنهم من التمتع بالاستقلال النسبي في تسيير شؤونهم وتنظيم حياتهم الاجتماعية وممارسة شعائرهم، من خلال اكتسابهم لوضعية أهل الذمة، التي منحت اليهود الأمان على أموالهم وعدم استرقاقهم، والدفاع عنهم، مقابل الجزية”، حسب الكتاب.
ويعزى سبب تسمية الملاح، حسب حسن العروس، الكاتب المسرحي والباحث في تاريخ اليهود، إلى فترة الموحدين والمرابطين، لما كانوا يحكمون على المتمردين بقطع رؤوسهم، فتعطى لليهود لتمليحها وتعليقها في الأماكن العامة، حتى تكون رادعا لمن يفكر في التمرد.
ملاح فاس
شيد أول ملاح بفاس في 1438، في خضم المواجهة العسكرية للمرينيين مع البرتغال، إذ أثقل السلطان عبد الحق المريني كاهل شعبه بالضرائب لتمويل حملاته العسكرية، وأدى هذا الإجراء إلى سخط شعبه، الذي سرعان ما اتجه صوب اليهود، لكن واقعة تدنيس المساجد بقرب مليئة بالخمر، والتي افترض أن اليهود يقفون وراءها أدت إلى التعدي عليهم، حينها سيقرر السلطان المريني ترحيل سكان فاس اليهود حفاظا على أمنهم، ناقلا إياهم إلى فاس الجديد في الملاح.
ويشير محمد كنبيب، الباحث في تاريخ اليهود المغاربة، إلى أن اليهود فرض عليهم البقاء داخل أسوار حيهم، واعتنق العديد منهم الإسلام للإفلات من فقدان أملاكهم العقارية التي كانوا يمتلكونها في فاس القديم، وأطلق عليهم إخوانهم اليهود اسم “المهاجرين” بسبب إنكارهم لدينهم بدل الإقامة في الملاح، منهم عائلة كسوس، وميارة.
ملاح مراكش
يعرف بقايا ملاح مراكش اليوم بحي السلام، إذ لا تزال المقابر اليهودية والأضرحة تزار من قبل بعض اليهود الذين يقطنون المدينة، أشهرها مقابر العزمة والفاسيين لأن معظم المدفونين فيها من يهود فاس، ومعبد الرابي بيناس وبيقون.
يرجع تأسيس حي الملاح في مراكش إلى 1557، في عهد عبد الله الغالب السعدي، ويعد ثاني ملاح في المغرب بعد فاس، ويحمل اسم حي السلام منذ 1983، الذي أمر الملك محمد السادس السنة الماضية، بتغيير اسمه ليحمل التسمية القديمة. كان الملاح يضم أكثر من 40000 يهودي و42 معهدا اندثرت أغلبها.
ملاح مكناس
يشير الكتاب إلى أن ملاح مكناس تأسس في عهد السلطان مولاي إسماعيل، بهدف خلق دولة قوية، من خلال فرض الضرائب على اليهود لتغطية الاحتياجات الهائلة التي كانت تعانيها المملكة، والحفاظ على جيش يتكون من حوالي 150000 رجل، والاستفادة كذلك من تجربتهم الرائدة في التجارة البحرية.
قام السلطان مولاي إسماعيل بتعيين أحد كبار الشخصيات اليهودية، أبراهام ميموران، وزيرا له وأمره بإعادة بناء الكنائس المدمرة، وقام بوضع قائد تسند إليه مهمة حراسة الأبواب التي تغلق ليلا، وفي السبت كان اليهود يخصصون الصباح للتعبد في كنائسهم.
ملاحات الرباط وسلا وتطوان والصويرة
تأسست أحياء الملاح في هذه المدن في عهد السلطان مولاي سليمان، خلال القرن 19، بعد قيام أخيه السلطان السابق مولاي اليزيد باغتيال بعض اليهود، الذين كانوا يمارسون وظائف عليا خلال فترة حكم والده، وطردهم من المدينة. وبعدما تولى مولاي سليمان الحكم، أعاد اليهود إلى ملاحهم ولقبوه بـ “السلطان العادل”. وقد كان أبراهام كوركوس، التاجر الدولي وأشهر الأغنياء في المنطقة، بنكي السلطان مولاي سليمان.
يؤكد محمد كنبيب أن بناء ملاح الصويرة يرجع إلى السلطان أحمد المنصور الذهبي، في نهاية القرن 16 الميلادي، والذي استقدم إليه نخبة من التجار اليهود لتنشيط مينائها التجاري، فعرف تاريخيا باسم ملاح تجار السلطان، وتحولت الصويرة منذ ذلك الحين إلى عاصمة اقتصادية للمغرب، حتى دخول المستعمر الفرنسي الذي حول مركز الثقل الاقتصادي إلى الدار البيضاء.
ملاح دمنات
قرر السلطان مولاي الحسن بناء ملاح في 1887، من نفقات المخزن، إذ اشتكى سكان المدينة اليهود إلى السلطان، بأنهم يدنسون مجاري المياه قبل أن تصل إلى المساجد، لذلك تم ترحيلهم إلى مكان معزول عن المدينة.
ملاح البيضاء
قال حسن العروس، سيناريست وكاتب مسرحي، أنه في القرن 17، كان الملاح عبارة عن أكواخ من الخشب والقصب وسوق لتمليح وتعليق الرؤوس في باب مراكش، إلى غاية بداية القرن العشرين، إذ شرع اليهود في بناء حيهم الخاص، في باب مراكش الذي يعد أول حي يهودي في المدينة القديمة داخل السور، إضافة إلى زنقة لاكروا روج وبين الجوامع وجامع الشلوح والقرينة.
وأضاف العروس، المهتم بتاريخ الدار البيضاء، أن اليهود غادروا المدينة القديمة، في يوليوز 1954، بسبب اتهامهم بالتواطؤ مع الفرنسيين في قتل مغاربة خارج سور المدينة القديمة، فأحرقت منازلهم الواحدة تلو الأخرى، ولم يبق أي يهودي في الملاح، الذي أصبح سوقا للخضر والفواكه.
مصطفى شاكري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق