ملف الصباح

يهود المغرب … الاستعمار يكسر التعايش مع المسلمين

حينما قال الحسن الثاني إن لديه أكبر حزب بإسرائيل وتسبب في الهزيمة الانتخابية لنتانياهو
تعايش اليهود والمسلمون المغاربة في المدن العتيقة، خاصة بأحياء الملاح، في احترام تام لتقاليد كل أسرة وديانتها، إذ يتبادلون التهاني في الأعياد الدينية، ويتعاملون تجاريا مع بعضهم البعض من خلال الثقة التي كانت سائدة بينهم، وعايشت أجيال هذا الأمر حتى بداية التسعينات من القرن الماضي.
ويعد الوجود اليهودي بالمغرب قديما قدم اليهودية، وترجح عدد من الدراسات أن قدومهم إلى شمال إفريقيا جاء في أعقاب خراب الهيكل الأول في 586 قبل الميلاد، وتوالت بعد ذلك الهجرات، بينما يذهب اعتقاد آخر أن الهجرات اللاحقة لليهود إلى المغرب وقعت إبان سقوط الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر، بعد نفي وترحيل وطرد اليهود والمسلمين من الأندلس في 1492 والبرتغال في 1497.

“المغوراشيم” و”الطشابيم”

ينقسم المغاربة اليهود إلى قسمين: “المغوراشيم” ومعناها بالعبرية المطارد وهم يهود الأندلس، و”الطشابيم” وهم اليهود الأصليون الذين سكنوا المغرب قبل الميلاد، وكما يوحي اسمهم، فالزعم أنهم من أصل مشرقي، وأنهم أتوا إلى المغرب بعد سلب القدس من قبل “نبوخذ نصر” الثاني في 586 قبل الميلاد، وبلا شك فقد وجد كثيرون منهم طريقهم إلى شمال إفريقيا مع التجار القرطاجيين.
واكتسب اليهود بالمغرب وضعية أهل الذمة التي أطرت سلوك المسلمين إزاءهم، فكان موقفهم قوامه عدم الاعتداء والتعامل معهم بالمعروف وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لليهود دينية أو قانونية أو وقفية أو قضائية. ومنح سلاطين المغرب للعديد من اليهود، ظهائر التوقير والاحترام.
وظل اليهود والمسلمون المغاربة يطالبون بجلاء الاستعمار عن البلاد، إذ تعامل معهم المستعمر على قدم المساواة باعتبارهم أهالي، وأكد الباحث السوسيولوجي إدمون دوتي في 1900 غياب مشاعر الحقد تجاه اليهود من قبل المسلمين، ناصحا المقيم العام بالإبقاء على وضعهم الثانوي ومنعهم من تحقيق ازدهار سريع، لذلك استمر اليهود مقيمين في القبائل يشتغلون بالتجارة.

ليوطي ومحاولة استقطاب فاشلة

لم يكن اليهود يقدمون الجزية، باعتبارهم من أهل الكتاب إلى خزينة دار المخزن، رغم التنصيص على ذلك قانونيا، وحاول المقيم العام ليوطي استقطابهم بإلغاء هذا القرار، لكنه فشل، بل تصدوا له حينما أراد تغيير المناهج التعليمية، والحد من اختصاصات “الديانيم” قضاة اليهود وإمكانية استئناف الأحكام من قبل المتقاضين الذين كانوا كما هو الشأن بالنسبة للمسلمين الذين يستصدرون فتاوى من قبل قضاة يختارونهم.
واعترض الاستعمار على بناء منازل من قبل اليهود في مناطق المدن الجديدة خاصة أن سعر الأرض كان ملائما، كما عرقل بكيفية منهجية شراء أو كراء مساكن ومتاجر من قبل اليهود داخل المدن القديمة، فاضطر اليهود إلى توقيع عرائض مباشرة لرئيس الجمهورية لإصدار مرسوم يأذن لهم بكراء متاجر خاصة أن الشعب الإسلامية بالمجالس البلدية لم تعارض ولم يرفض الملاكون المسلمون تأجير عقاراتهم لليهود .
وعاش 265 ألف يهودي مع 4 ملايين مسلم، وهو ما يعادل 10 في المائة من إجمالي سكان المغرب، لكن الضغوطات التي مورست لأجل إعمار دولة إسرائيل، التي شيدت على أنقاض دولة فلسطين، تطبيقا لوعد بلفور، عجلت بعد 1940 بحدوث هجرات مكثفة، إلى كندا وأمريكا وأوربا الغربية لأجل الاستقرار بإسرائيل، إلا أن اليهود المغاربة ظلوا مرتبطين بثقافة بلدهم الأصلي حتى بين أفراد الجيل الثاني أو الثالث من المهاجرين، وظل العديد منهم يحتفظ إلى جانب الجنسية بجواز السفر المغربي.

مواطنون مغاربة… إلى الأبد

ركزت دراسات بن عامي إسشار على ظاهرة أولياء وقديسي اليهود المغاربة، إذ أحصت وجود 652 ضمنهم 126 مشتركا بين المسلمين واليهود و15 وليا مسلما يقدسه اليهود و90 وليا يهوديا عند المسلمين، ويتنازعون في 36 وليا كل واحد ينسبه إليه، ويوجد نحو 36 معبدا يهوديا في المغرب وعدد هام من الأضرحة والمزارات اليهودية في مختلف المناطق المغربية أشهرها في فاس (كنيس دنان) والصويرة ووزان ومراكش وتارودانت وصفرو ووجدة وتطوان. وتماشيا مع قوانين الجنسية المغربية، صدر قرار الدولة المغربية في 1976 بعدم إسقاط الجنسية المغربية عن اليهود المغاربة الذين هاجروا في المراحل السابقة، وبذلك يمكنهم العودة إلى بلدهم متى شاؤوا باعتبارهم مواطنين مغاربة.
ولم يبق من اليهود سوى 2500 شخص، فيما يزور المغرب سنويا قرابة 50 ألفا لإقامة شعائرهم الدينية، وإقامة مواسم وزيارة أضرحة ومزارات. ولليهود في المغرب نشاط كبير سواء في المجال الاقتصادي أو السياسي، عبر مشاركتهم في السلطة المغربية من قبيل سيرج بيرديغو الذي كان وزيرا للسياحة، وعين على عهد للملك الراحل الحسن الثاني، الذي عين أيضا أندريه أزولاي، مستشاره للشؤون الاقتصادية والذي ما زال يشغل المنصب نفسه في فترة حكم الملك محمد السادس.
وفي 1986 تم انتخاب جو أوحنا نائبا في البرلمان المغربي عن منطقة الصويرة وأمينا لصندوق رئاسة البرلمان، إلى جانب تعيين بن زاكين في الحكومة الأولى والثانية، على عهد حكومة محمد الخامس.

الحسن الثاني يحكم في إسرائيل
بلغ عدد يهود المغرب حدود 400 ألف في إسرائيل ابتداء من 1973، ليتجاوز حاليا مليونا، أو أكثر، ما جعل الملك الراحل الحسن الثاني، يؤكد في أحد استجواباته الصحافية المثيرة، أن لديه حزبا في إسرائيل قادرا على تغيير السياسات العمومية داخلها، والتأثير على تعديل السياسية الخارجية لهذا البلد، لذلك حينما شنت صحيفة “لوجورنال” الأسبوعية المغربية الناطقة بالفرنسية حملة واسعة النطاق بالإشهار في كل محطات القطار وعبر لوحات كبيرة، وإجراء حوار لدعم بنيامين نتنياهو، للوصول إلى سدة الحكم، رفض الملك الحسن الثاني استقباله بالمغرب، احتراما للانتفاضة الثانية لأطفال فلسطين، فتلقى نتانياهو هزيمة انتخابية، جعلته يشتم اليوم الذي أجرى فيه حوارا أدى إلى نتائج معكوسة، لأن الحسن الثاني كان ذكيا في إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بأقل الخسائر الممكنة.
وطلب قادة منظمة التحرير الفلسطينية في اتصالات سرية من الملك الحسن الثاني توجيه نداء إلى المغاربة اليهود لأجل العودة إلى وطنهم، أو على الأقل تنقل عنه رسالة بهذا المعنى. لكن الملك التمس منهم مطلع الثمانينات الابتعاد عن تكتل الليكود المتطرف، وكان من بين أشهر زعمائه وزير الخارجية الأسبق ديفيد ليفي وهو يهودي مغربي لا يزال منزله قائما في الرباط .

أحمد الأرقام

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق