افتتاحية

طاحت الصمعة…

التحقيق القضائي مع عامل الصويرة بعد فاجعة بولعلام، مسألة تطرح استفهامات حول تحديد المسؤوليات وشمول المحاسبة لكافة المتدخلين، لا الاكتفاء بعينة محصورة في مسرح الحادث أو الإقليم، ففي الدول الديمقراطية عندما تقع فاجعة أقل مما حدث في سيدي بولعلام، نسمع عن استقالات الوزراء المشرفين، ناهيك عن تحريك الأبحاث الإدارية والتقنية قبل القضائية، إذ أن الأهداف لا تتوقف فقط على استبيان أوجه التفريط والإهمال ومحاسبة المقصرين، بل تنصرف إلى غاية أسمى وهي عدم تكرار الأخطاء نفسها.
رئيس الحكومة ووزير الداخلية ووالي جهة مراكش آسفي، مسؤولون عما وقع، بل إنهم يدخلون أيضا في الخانة نفسها التي وضع فيها العامل ولو أن علاقتهم غير مباشرة، إلا أنها تنجم عما لهم من سلطات قوية في الإشراف والتوجيه والتتبع.
مسؤولو الدرك وغيرهم ممن لهم ارتباط وثيق بالتنظيم وتأمين المواطنين، لا مفر لهم من المحاسبة كذلك. وإذا كان عامل الإقليم يساءل اليوم وفقا لأخطاء ارتكبها من هم في عهدته وتحت إمرته من باشاوات ورؤساء دوائر وقياد وأعوان سلطة، فإن باقي المسؤولين ومهما علت درجاتهم في السلم الإداري والتنظيمي يقعون تحت طائلة المساءلة نفسها، فالخطأ المفترض هنا يطوق الجميع، بمن فيهم المسؤولون الجهويون والمركزيون لما لهم من سلطات إدارية ورقابية على تابعيهم، فالمسؤولية المفترضة، من نوع خاص، تقوم خلافاً للأصل القاضي بألا يسأل المرء إلا عن خطئه الشخصي، بل تنتج عن خطأ الآخرين الذين يعملون تحت سلطته ووصايته.
وبالعودة إلى الوقائع التي سبقت الفاجعة، فإن الجمعية المنظمة لتوزيع الإعانات، راسلت السلطات قبل أسبوع ووضعت رسالة لدى الجهات المختصة، تطالب فيها بمواكبة عملية توزيع مساعدتها السنوية التي ستصل إلى 10 آلاف حصة، كما حددت عنوان المكان الذي ستنظم فيه.
عندما تسلمت السلطات الإشعار، كان عليها الانتباه إلى العدد، 10 آلاف، والتوقع بأن الوافدين قد يزيدون عليه، إذا ما رافق كل مستفيد شخص واحد فقط، حينها سيصبح العدد 20 ألفا، ما يستلزم إبلاغ كافة المتدخلين واتخاذ الاحتياطات الأمنية الكفيلة بتنظيم الحشود، وإلا تصدر قرارا للجمعية بمنع التوزيع وإرجائه إلى أجل آخر تحدده الجمعية مع السلطات حين تكون مستعدة وقادرة على احتواء المبادرة، التي تظل إنسانية وتساير توجهات الجمعية المنظمة.
التقصير كان واضحا منذ اللحظات الأولى، والتدخل القضائي، ببدء المساءلة الجنائية لفئة ضيقة، قبل انتهاء الأبحاث الإدارية، لتحديد دائرة المرؤوسين المقصرين في مهامهم ثم رؤسائهم من المسؤولين المحليين والجهويين والمركزيين، يضعنا أمام ميزان مختل، بل يكرس مفهوما جديدا للرقابة ويمنح القضاء مهام استباقية، هي في واقع الأمر منوطة بالإدارة، سيما أن الهدف الحقيقي من المحاسبة ليس الردع الخاص، بل الزجر العام، حتى ينتبه كافة المسؤولين الجهويين والمركزيين لجسامة مسؤولياتهم، ويضاعفوا جهودهم في مهام المراقبة والتسيير والإشراف والتتبع، التي يسألون عنها، وفق قاعدة الخطأ المفترض.
ربط المسؤولية بالمحاسبة مفهوم مجرد، لا يقع فقط على صغار الموظفين بل يتعداه إلى كل من له سلطة في تسيير الشأن العام، والعبرة من الأبحاث والتحقيقات، لا ينبغي أن تنحصر على العقاب والتأديب، بل أن تتوجه إلى مفهوم جديد للسلطة يبني أسسه على الاستفادة من الأخطاء حتى لا تتكرر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق