افتتاحية

تحرش

آمنت المجتمعات بأن المرأة شريك أساسي في تحقيق التنمية والتحديث، فسنت القوانين، واهتمت بمناهج التعليم، وسلطت الأضواء على مشاكلها قصد الرقي بأدوارها في شتى المجالات.
ولأن المرأة نصف المجتمع، كما يقال، تشددت الحكومات في إنصافها، وواجهت الاغتصاب والتحرش الجنسي والمس بكرامتها بقوانين رادعة وحملات تحسيس وتوعية، فمثل هذه الجرائم تعبير عن عنف وسلوك مشين، لا علاقة لها بالقيم الإنسانية، ناهيك عن إجهاض مشاريع إنصاف المرأة والمساواة بين الجنسين.
في المغرب، تجاوزت النساء كل الطابوهات أثناء مواجهتهن للعقلية الذكورية التي تسود داخل بعض الفئات، وترى في جسد المرأة عورة مباحة أمام المرضى والمضطربين نفسيا، فتعددت المعارك السياسية، وكسبت الجمعيات النسائية بعضها، لكن تنتظرها حروب شرسة للدفاع عن نفسها.
هناك أرقام حول التحرش الجنسي تصيب بالصدمة، إذ مست الظاهرة كل الفئات العمرية، سواء الفتيات أو المتزوجات، وأصبح المتتبعون يرون تحرشا بألوان متعددة، سواء الشفهي أو من خلال تلميحات جسدية، أو إلحاح في طلب لقاء، ويتطور الأمر، أحيانا، إلى اللمس وتحسس الأعضاء، والعنف والاغتصاب. ويكفي فقط الإشارة إلى تقرير للمندوبية السامية للتخطيط الذي أكد وجود أكثر من 370 ألف امرأة يتعرضن للعنف الجنسي سنويا… فهل يستطيع القانون وحده مواجهة الظاهرة؟
لا نظن ذلك، رغم أهميته وأولويته في مواجهة «وحوش» آدمية، فالمغتصبون مجرمون يعادون المجتمع، وليس المرأة فقط، والمتحرشون يعانون اضطرابات نفسية، تلقى قبولا من فئات داخل المجتمع، وإلا بم نفسر العبارات التي ترد عادة بعد احتجاج فتاة على متحرش ما من قبيل: «صبري.. ما وقع والو… زدتي فيه»؟ وهي عبارات وتبريرات تدفع الضحية إلى التزام الصمت خوفا من الفضيحة.
إن التحرش معاناة يومية للنساء داخل المجتمعات العربية، بصفة عامة، وأصبح التحرش لا يقابل بتدخل شهود عيان، بل يدفعهم إلى تصوير المشاهد بهواتفهم المحمولة… وهي مفارقة غريبة ودخيلة على المغاربة.
الأكيد أن العقلية الذكورية ترتبط بهوية المجتمع وأزماته، والمختصون يدركون أنها تتسبب في اختلالات عميقة، وتؤدي بالمرأة إلى الشعور بالإحباط الاجتماعي والتهميش، لأن جسدها ملك مشاع للرجل يشتهيه متى شاء، ويمارس ساديته عليه في كل فضاء يختاره.
لا يحتاج تفشي العقلية الذكورية إلى دليل، بل إلى علاج بالكي، بدءا من الأسرة والمؤسسات الاجتماعية، والاعتراف بأهمية تلقين التربية الجنسية في المناهج التعليمية، فربما نستطيع كبح جنوح عقلية ذكورية تفرض الوصاية على المرأة، وتمنعها من التصرف في جسدها باعتباره وصمة عار.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق