fbpx
منبر

أحداث العيون بين المطالب الاجتماعية والتوظيفات السياسوية

حكام الجزائر لديهم مخطط إستراتيجي يرتكز على التجزئة عوض الوحدة

كشفت أحداث العيون الأخيرة عن وجود مخطط مسبق استهدف تحويل مطالب اجتماعية صرفة إلى توظيفات سياسوية وفق أجندة سياسية خارجية ساهمت فيها منظمات اسبانية تحت غطاء جزائري؛ إذ يمكن الوقوف هنا عند ثلاثة مؤشرات أساسية تكشف عن جوانب من هذا المخطط القبلي:

المؤشر الأول: اتضح لبوليساريو، ومن خلفها الجزائر أن مبادرة الحكم الذاتي لم تعد محط إجماع وطني ودولي فقط، بل وجدت لنفسها قاعدة عريضة داخل مخيمات تندوف عكسها بوضوح موقف مصطفى سلمى ولد مولود.
المؤشر الثاني: قبيل الشروع في استئناف المفاوضات في ثالث نونبر تم رفض مقترح بوليساريو من قبل الأمم المتحدة القاضي بإثارة مسألة حقوق الإنسان، بعدما فشلت في تدويل القضية عبر توسيع صلاحيات بعثة مينورسو بغية مراقبة الوضع الحقوقي في الأقاليم الجنوبية، مما يكشف عن نية مبيتة في افتعال أحداث العيون التي أتت في الوقت الذي شرعت فيه المفاوضات في مانهاتن.
المؤشر الثالث: توظيف بوليساريو لميلشيات مسلحة وظفت مطالب اجتماعية صرف، رغم أن السلطات المحلية استطاعت الوصول مع المحتجين إلى تسوية لجل مطالبهم الاجتماعية.
تترجم هذه المؤشرات الثلاثة استمرار مخطط التجزئة لدى حكام الجزائر وإسبانيا اتجاه المغرب؛ فرغم تباين مصالح هذين الجارين، إلا أن هدفهما واحد يتمثل في إضعاف المغرب؛ فإسبانيا لا تنظر بعين الرضى إلى الإصلاحات الهيكلية التي أقدم عليها العهد الجديد في الوقت الذي أمست فيه تعاني كسادا اقتصاديا وبطالة وصلت في المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية إلى 30 في المائة؛ فيما حكام الجزائر لديهم مخطط استراتيجي يرتكز على التجزئة عوض الوحدة، وذلك بخلق كيان هجين في منطقة المغرب العربي في الوقت الذي يسعى فيه العالم في زمن العولمة إلى التوحد.
لقد تجلى هذا التوجه في الاستغلال السياسوي لمطالب ذات صبغة اجتماعية تم توظيفها وفق أجندة مدروسة؛ فمطالب بعض سكان الأقاليم الجنوبية المتمثلة في الشغل والسكن تبقى مطالب اجتماعية يطالب بها مواطنون حكومتهم مثلما يحدث في جميع الأقاليم المغربية من الشمال إلى الجنوب، حيث أن هذه المطالب التي يتم التعبير عنها عبر حركات احتجاجية تصل سنويا إلى 2000 احتجاج كتعبير عن مطالب اجتماعية ؛ فطرح هذه المطالب وتصريفها في إطار نظام سياسي مفتوح هو دليل على حيوية وحركية هذا النظام بخلاف الأنظمة الشمولية العسكرية التي يغيب فيها هذا التوجه جملة وتفصيلا؛ حيث هناك قمع ممنهج وحظر كلي لكل الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ؛ وأفضل مثال على صحة ما نقول حالة الاختطاف القسري الذي تعرض له مصطفى سلمى ولد مولود؛ إذ لمجرد رأي مخالف لرغبات حكام قصر المراية تم التنكيل بهذا المواطن في خرق سافر لأبسط مقتضيات حقوق الإنسان.
هذا في الوقت الذي تعاملت السلطات المغربية مع أحداث العيون بأسلوب حضاري، حيث دخلت في مشاورات مع المحتجين أفضت إلى الاستجابة لجل مطالبهم الاجتماعية، إلا أن ميلشيات البوليساريو حينما أدركت بأن مخططها لم يتحقق حالت دون تفكيك مخيم اكديم إيزيك لتركب على مطالب اجتماعية في محاولة لتطبيق أجندة سياسية خارجية؛ حيث كشف شريط أحداث العيون وجود دعم لوجيستكي جزائري لا تخطئه العين؛ ذلك أن قوات الأمن المغربية لم تكن أمام مواطنين عاديين بل أمام ميلشيات مسلحة ومدربة استعملت الأسلحة البيضاء والمولوتوف، هذا في الوقت الذي اختارت فيه قوات الأمن المغربية ضبط النفس حيث امتنعت عن توظيف الأسلحة، رغم أنه من الناحية القانونية كان من حق هذه القوات أن تشهر أسلحتها لأنها كانت في حالة دفاع شرعي واضح المعالم انتهى بمقتل اثنى عشر فردا من قوات الأمن.
فكيف تفسير شريط هذه الأحداث؟
إن اختيار الظرفية السياسية لم يكن بريئا؛ إذ تدرك الجزائر وبوليساريو أن خيار الحكم الذاتي أمسى محتوما من قبل المنتظم الدولي تترجمه بوضوح مواقف القوى السياسية الكبرى من هذه المبادرة التوافقية والواقعية والسحب المتزايد للاعتراف بالجمهورية الصحراوية من قبل العديد من الدول، لذلك بادرت بوليساريو بدعم من الجزائر إلى
إجراء هذه المناورة السياسوية في الصحراء في محاولة لخلط الأوراق أمام المنتظم الدولي لكن محاولتهما لم تنجح؛ فعلى المستوى الداخلي جاء بيان شيوخ القبائل الصحراوية بمثابة رد صريح على قطع الطريق ضد أعداء الوحدة الترابية للمغرب؛ إذ عبروا في بيانهم على تشبت سكان الأقاليم الجنوبية بخيار الحكم الذاتي. أما على المستوى الخارجي، فقد رفض مجلس الأمن الانسياق وراء أطروحات الجزائر بفتح تحقيق حول ما جرى في العيون لأن هذه المناورة الجزائرية لم تنطل على مجلس الأمن، لتسير في الاتجاه نفسه المنظمات الحقوقية الدولية التي فندت في تقاريرها أطروحات الجزائر بوجود قتلى مدنيين؛ إذ زكت منظمة «هيومان رايتش ووتش» الأمريكية التقرير المغربي بمقتل اثنى عشر مواطنا من القوات الأمنية و مواطنين مدنيين. بخلاف ما ادعته بوليساريو الجزائر في محاولة يائسة لتدويل هذه القضية.
إن  المناورات  الجزائرية والإسبانية لم تقف عند الجانب السياسي بل امتدت إلى الجانب الإعلامي؛ فالعديد من وسائل الإعلام الجزائرية والإسبانية جندت كل طاقاتها من أجل تهويل ونقل مغالطات للرأي العام الإسباني حول حقيقة ما جرى في العيون من خلال توظيف صور لا علاقة لها بما حدث كتوظيف صورة لأطفال غزة ادعت أنها لأطفال في العيون وصورة لشخص مختل قتل أفرادا من أسرته في الدار البيضاء.
فهل يمكن القول إن ما أقدمت عليه وكالة الأنباء الإسبانية «ايفي» وجريدة «الباييس» والقناة التلفزية الإسبانية الثالثة يندرج في خانة الأخطاء الغير مقصودة؟ أمر يصعب تصديقه.
إن الأمر إن دل على شيء، فإنما يدل على أننا كنا أمام حملة إعلامية مغرضة نتيجة حضور جملة من العوامل؛ فالخلفية التاريخية لدى الإسبان حاضرة مثلما يحضر بقوة البعد الاقتصادي بفعل تأطير اللوبيات الإسبانية لفعاليات المجتمع المدني، كما أن هناك أحكاما مسبقة لدى جانب كبير من الصحافة الاسبانية اتجاه المغرب، إذ تتجاهل الحيثيات الحقيقية للصراع المغربي الجزائري؛ ومن جهة أخرى هناك تحامل من قبل بعض وسائل الإعلام الإسبانية المدعومة من قبل اليمين ال؟إسباني بحيث يصل هذا التحامل إلى درجة الحقد؛ وهو أمر ليس بالجديد على الصحافة الإسبانية، إذ يمكننا هنا استحضار العديد من الأزمات أذكى فيها الإعلام الاسباني جو التوتر بين المغرب واسبانيا كأزمة الصيد البحري وجزيرة ليلى وقضية الطماطم المغربية…    

الدكتور محمد زين الدين: أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق بالمحمدية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى