ملف الصباح

اللادينيون… الخروج العلني

خطوات محتشمة تسير نحو إنهاء زمن السرية وتحويل النقاش من الافتراضي إلى الواقعي

هم مغاربة تمردوا على الدين، وأحدثوا عالما خاصا بهم، لكن جلهم قرر الخروج إلى العلن، وإنهاء زمن السرية، إذ أصبحوا يعبرون عن أفكارهم علنا، أغلبهم يتخذ مواقع التواصل الاجتماعي للظهور والتفاعل والنقد أحيانا، والمثير أن اللادينيين المغاربة قرروا تحويل النقاش من العالم الافتراضي إلى الواقعي.

ففي سابقة من نوعها، شارك اللادينيون المغاربة في مؤتمر وطني الأسبوع الماضي بالرباط، بمقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، جمع مختلف الأقليات الدينية بالمغرب، فبالإضافة إلى اللادينيين والملحدين، شاركت فيه أقليات يهودية وشيعية وبهائية. وتأتي هذه الخطوة بعد نجاح الأقلية المسيحية في كسر جدار الصمت والظهور بوجه مكشوف، عبر تأسيس تنسيقية وطنية لمت شمل المسيحيين المغاربة.

تهديد ووعيد

رغم أن مسألة اللادينيين أصبحت محط نقاش، وتعقد بخصوصها ندوات ومؤتمرات وطنية، إلا أن الأشخاص الذين لا ينتمون إلى جمعيات تدافع عنهم، ويفضلون عدم الكشف عن آرائهم المناقضة للأديان، سوى مع أصدقائهم المقربين، أو عبر حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، يعانون بسبب تهديد بعض المتشددين، ويتعرضون للسب والقذف، ومنهم من كان عرضة للتشهير.
أميمة، شابة في عقدها الثاني، تقول “تعرضت للتشهير وأنواع من السب والشتم لمجرد تعبيري عن رأيي في الدين”، تضيف المتحدثة أن أكثر ما تخشاه هم المتشددون، الذين ينعتونها بأوصاف سيئة كلما كتبت تدوينة تنتقد فيها الدين على موقع “فيسبوك”، وسبق أن نشر أحدهم حسابها في واحدة من المجموعات، التي تضم آلاف المنخرطين، بهدف التشهير بها.
ورغم أن أسرتها غير متشددة، فإن أميمة لا تستطيع إخبارها بحقيقة أفكارها، مخافة أن يكون رد والديها عنيفا، موضحة أن الأمر لن يصل إلى حد طردها من البيت، لكنها تقول “قد أتعرض للضرب من قبل أبي”.
أما بالنسبة إلى أيوب فالكشف عن معتقده، قد يسبب له مشاكل حقيقية. يقول الطالب الشاب “إن علمت أسرتي أني تخليت عن الإسلام قد لا أدخل المنزل بعدها”، كما أنه يرجح حرمانه من المال الذي يعينه على متابعة دراسته في الجامعة، والسبب أن أسرته متشددة.

علاقة صمت وتعقيد

رغم ضبابية شكل الخروج، إلا أن دراسة هي الأولى من نوعها، أعدها الباحث المغربي مراد لمخنتر، كشفت أن أكثر شيء يؤرق بال اللادينيين المغاربة، هو كيفية تحويل النقاش الافتراضي إلى الفضاء العمومي. الدراسة ذاتها، أكدت أنَّ أغلب الناشطين اللادينيين هم من فئة الشباب، وعزت الأمر إلى قلة استخدام فئات أخرى وسائل التواصل الاجتماعي.
علاقة صمت وتعقيد تلك التي رصدها الباحث المغربي، تربط اللاديني بالمجتمع والأسرة، حيث تقول الدراسة، “إن وصاية الآباء على الأبناء في المجتمعات الإسلامية دائمة مادام الابن لم يغادر منزل الأسرة، وخصوصا في المسائل الدينية، فخروج أحد الأبناء عن دين الآباء يعتبر فضيحة وصدمة لهم، لذلك يختار الكثير من الشباب الصمت”.
وفي جو تطبعه السرية، ويقابل فيه اللاديني المغربي برفض مجتمعي وتجريم قانوني، استطاعت جمعية “أقليات” الخروج إلى العلن، وتقدمت بملف لوالي الرباط تضمن الأوراق القانونية لتأسيس الجمعية، غير أنه لم يتسلمه، معللا ذلك بأن طبيعة الجمعية تتعارض مع الفصل الثالث من الظهير الملكي المؤسس للجمعيات، ومنطوقه أن كل جمعية تجادل في النظام الملكي، أو الدين الإسلامي أو الوحدة الترابية، تعتبر باطلة.
ويقول طريق ناجي، رئيس جمعية “أقليات”: “أرسلنا إشعارا إلى السلطات بأننا جمعية انطلقت في عملها وتنظيم أنشطتها ولم نتعرض إلى حدود الآن للمضايقات أو المنع”، وكانت الجمعية تنشط منذ 2014 في مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تتحول إلى مجلة تنشر مواضيع خاصة بالأقليات الدينية والجنسية. لتصير في 2016 أول جمعية من نوعها تدافع عن اللادينيين.

“لا إكراه في الدين”

في مجتمع مغربي، أغلب سكانه مسلمون، والإسلام هو الدين الرسمي للبلد، يرى لحسن السكنفل، رئيس المجلس العلمي المحلي لعمالة الصخيرات تمارة، ألا إكراه في الدين، وأن الإنسان يختار دينه عن طواعية وقناعة، مضيفا أن الدين يأمر الناس بالإيمان بالله والرسل والملائكة والقدر، لكنه في المقابل يترك مجالا للاختيار، يقول مستدركا “الاختيار مرتبط بالمسؤولية.. فلا إكراه في الدين. من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.
يضيف المتحدث ذاته، أنه يحق للشخص أن يكون لادينيا أو ملحدا، لكن دون أن يسيء لمعتقدات المسلم، يقول “الذي اختار أن يكون ملحدا عليه أن يحترم المسلمين فلا يتعرض لعقيدتهم بسوء، سواء باللفظ أو بالممارسة”، وأوضح السكنفل أن اللاديني حر في اختيار العيش في مجتمع مسلم، لذا توجب عليه احترام هذا المجتمع وعقيدته وتعاليم دينه.
ويخلص السكنفل إلى أن الأقليات الدينية لها كل الاحترام المرتبط بالإنسان باعتباره إنسانا، وأن الإسلام ضمن للأقليات الدينية أن تعيش في سلام مع المسلمين، وأضاف “إذا كان الهدف هو تحقيق السلام فلا حرج في ذلك، ما دام لا يمس عقيدة المسلم، ولا يؤدي إلى المساس بالسلم الاجتماعي الذي هو أساس الحياة المشتركة بين الناس جميعا”.
عصام الناصيري

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق