fbpx
خاص

البرلمان… تجربة نصف قرن من الممارسة الديمقراطية

المؤسسة التشريعية تنقلت بين نظام الغرفة الواحدة ونظام الغرفتين قبل أن تستقر على نظام ثنائي

تعد التجربة البرلمانية المغربية واحدة من أكثر التجارب تمثلا في العالم العربي، فقد اختار الملك الراحل الحسن الثاني النظام البرلماني، منذ السنوات الأولى للاستقلال. وحتى قبل أن يضع أول دستور للبلاد سنة 1962، فإن المغرب عرف البوادر الأولى للنظام البرلماني خلال الفترة الممتدة ما بين 1956 و1959، أطلق عليها آنذاك المجلس الوطني. احتضنت قاعة تابعة لكلية الآداب بالرباط أولى جلسات «البرلمان». وكانت تعقد بها النقاشات ودراسة القوانين، بالنظر إلى أن البلاد التي دخلت لتوها مرحلة ما بعد الاستقلال، ولم تكن تتوفر على بناية مستقلة، تسمى مؤسسة تشريعية.

برلمان بغرفتين في تجربة أولى
انطلقت أول تجربة تشريعية، بالمعايير المتعارف عليها لمفهوم المؤسسة التشريعية، سنة بعد إقرار الدستور المغربي. كان ذلك سنة 1963، وضعت خلالها الأسس لنظام الثنائية البرلمانية، أي برلمان بغرفتين.
وقد جرت أول انتخابات تشريعية سنة 1963، وانتهت بانتخاب مجلس للنواب يضم في عضويته 144 عضوا انتخبوا بالاقتراع العام المباشر لمدة أربع سنوات، بالمقابل شغل عضوية مجلس المستشارين 120 عضوا انتخبوا بالاقتراع العام غير المباشر، تقرر أن يتم تجديد نصفهم كل ثلاث سنوات.
لم يكتب للتجربة البرلمانية أن تدوم طويلا، بعد أن أعلن الملك الراحل الحسن الثاني حالة الاستثناء سنة 1965، أي سنة قبل نهاية الولاية التشريعية الأولى.
وبإقرار دستور 1970، تبنى المغرب فكرة النظام البرلماني بغرفة واحدة، تضم في عضويتها 240 عضوا يمثلون مختلف الفئات وينتحبون عبر أنواع من نمط الاقتراع، ذلك أن 90 عضوا فقط انتخبوا في الاقتراع العام المباشر، بالمقابل 90 آخرون يمثلون فئة الجماعات المحلية، و60 يمثلون الغرف المهنية، يتم تجديد عضويتهم عبر الاقتراع العام غير المباشر.
هذه الفترة لم تعمر بدورها طويلا، واكتفت بتغطية المرحلة الفاصلة بين 1970 و1971، تلاها تعديل دستوري ثالث سنة 1972، غير أنه تزامن مع حالة من اللااستقرار بسبب محاولتي الانقلاب ضد الملك الراحل أجلت العمل البرلماني إلى مرحلة لاحقة بدأت سنة 1977.
خلال هذه الولاية التشريعية الثالثة، حافظ النظام البرلماني المغربي على غرفة واحدة، ويتعلق الأمر بمجلس النواب، غير أنه أضيف إلى المجلس 27 مقعدا جديدا، ليتشكل بذلك من 267 برلمانيا، يتم انتخاب 176 منهم بالاقتراع المباشر و88 من الأعضاء بالاقتراع العام غير المباشر، يمثلون فئات اجتماعية ومهنية مختلفة. وحافظت هذه الولاية على 6 سنوات كاملة، فانتهت بذلك سنة 1983.

بداية الاستقرار البرلماني
خلال الفترة ما بين 1984 و1992، اشتغل البرلمان المغربي بغرفة واحدة مرة أخرى، غير أن عدد المقاعد المخصصة للنواب، ارتفع مرة أخرى إلى 306 نواب برلمانيين، يتوزعون بين 204 منهم انتخبوا بالاقتراع العام المباشر و60 من مستشاري الجماعات المحلية و42 من منتخبي الغرف المهنية، تلتها ولاية تشريعية خامسة بالنظام البرلماني الأحادي، دائما، بزيادة جديدة في عدد الأعضاء الذي ارتفع إلى 333 عضوا، منهم 222 ينتخبون بالتصويت المباشر و111 عضوا يتم انتخابهم بالاقتراع غير المباشر من قبل هيأة ناخبة تتألف من أعضاء المجالس الجماعية الحضرية والقروية، ومن لدن هيآت ناخبة تضم المنتخبين في الغرف المهنية وممثلي المأجورين.
خلال منتصف التسعينات، قرر الملك الراحل العودة إلى نظام الثنائية البرلمانية، أو ما يطلق علية بـ”البيكاميراليزم”، تم ذلك أولا بموجب تعديل دستوري سنة 1996، وجرت الانتخابات للولاية التشريعية 1997-2002، إذ أصبح مجلس النواب يتكون من 325 عضوا ينتخبون جميعهم بالاقتراع العام المباشر لمدة خمس سنوات، يتوزعون بين 295 عضوا ينتخبون على الصعيد الوطني عبر نظام الدوائر الانتخابية المحلية، مقابل 30 عضوا ينتخبون عبر لوائح وطنية تتنافس بموجبها النساء فقط في إطار اتفاق سياسي بين الأحزاب ووزارة الداخلية، فيما حافظ مجلس المستشارين نظام الاقتراع العام غير المباشر، يتكون من 270 مستشارا برلمانيا ينتخبون لمدة تسع سنوات، ثلاث أخماس المجلس تنتخبهم في كل جهة من جهات المملكة هيأة ناخبة تتألف من ممثلي الجماعات المحلية، أما الخمسان الباقيان من أعضاء المجلس فتنتخبهم أيضا في كل جهة هيآت ناخبة تتألف من المنتخبين في الغرف المهنية وأعضاء تنتخبهم على الصعيد الوطني هيأة ناخبة تتألف من ممثلي المأجورين.
في مرحلة لاحقة، حافظ البرلمان على نظام الغرفتين، كما حافظ على نمط الاقتراع باللائحة الوطنية التي تخصص “كوطا” للنساء ضمانا لتمثيليتهن داخل الغرفة الأولى.

صلاحيات واسعة ومهام “معلقة”
يخص الدستور المغربي المؤسسة التشريعية بعدد من النصوص التي تنظم عمل اللجان والجلسات العامة والفرق النيابية، كما يحدد النظام الداخلي لكل غرفة سيرها على حدة، وهكذا يشير الفصل 60 من القانون الأسمى للبلاد صراحة إلى أن «الحكومة مسؤولة أمام الملك وأمام البرلمان» ويترتب عن هذا، أن يتضمن العمل البرلماني رقابة مباشرة على الأداء الحكومي، من خلال مناقشة البرنامج الحكومي والتصويت عليه.
ومن نتائج هذه المسؤولية استقالة الحكومة استقالة جماعية في حالات رفض البرلمان للبرنامج الحكومي (الفصل 60 من الدستور)، ثم طلب الثقة، وقد يفضي التصويت إلى سحب الثقة من الحكومة (الفصل75 من الدستور)، واستخدام ملتمس الرقابة، وقد تؤدي الموافقة عليه إلى استقالة جماعية للحكومة (الفصل 76 من الدستور)، ثم ممارسة الرقابة أيضا بواسطة الأسئلة.
عادة ما تتم المراقبة في جلسات عامة تطرح فيها أسئلة شفهية على أعضاء الحكومة أو عن طريق أسئلة كتابية توجه إليهم عبر مكتب مجلس النواب أو المستشارين حسب الحالة. وإلى جانب الرقابة والمحاسبة تختص المؤسسة التشريعية، بممارسة مهام تشريعية عبر مقترحات القوانين التي يتقدم بها النواب أو الفريق البرلماني بشكل عام، غير أن الملاحظ أن مشاريع القوانين التي تتقدم بها الحكومة تطغى على عمل البرلمان، كما تسود الحكومة وتحكم حين يتعلق الأمر بقانون المالية، بالمقابل ينظم القانون حالات الاختلاف في المصادقة على مشاريع القوانين بين الغرفة الأولى والثانية، حينها يمكن للمؤسسة التنفيذية تشكيل لجنة مشتركة بين المجلسين تشتغل على إزالة نقاط الخلاف بين الغرفتين، فيما يرجح رأي مجلس النواب في حالة الخلاف داخل أشغال اللجنة نفسها.

إحسان الحافظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى