fbpx
بانوراما

قيـاد تزوجـوا شيخـات

العيطة مع حسن نجمي
هيمن الفن العصري على القنوات العمومية، وعلى مختلف وسائط الاتصال، وهو فن مكتوب ومتداول، لكنه رغم ذلك لم يقدر على حجب فن العيطة، الذي كان يسخر منه المثقفون، والنخب الفكرية والاقتصادية في سبعينات القرن الماضي إلى بداية الألفية الثالثة، ما جعل هذا التراث الشفوي غير مكتوب، ينتصر ويعلن عن ذاته أنه جزء من الذاكرة الجمعية للمغاربة، تنقل كلماته جيلا عن جيل، ويطرب له الملايين في الحفلات والأعراس، ويجعل الذين يرفضونه يرقصون على نغماته. ولأجل تقريب قراء «الصباح» من هذا الفن الراقي، يقدم الدكتور حسن نجمي، توضيحات في حلقات الصيف عن هذا الفن.
الأخيرة
الجمال والصوت الجيد واحترام أصول المهنة معايير الشيخة المقبولة
إن الغناء، ببعده الشعري واللحني وفضاء أدائه، يتبلور ويؤثر اعتمادا على قوته الذاتية، وعلى بنائه الجمالي وشعريته. ومع ذلك، لابد لكي ينتشر ويتم تداوله والتجاوب معه من أصوات جيدة وأداء محكم. وقد أكد الدكتور عباس الجراري، في سياق حديثه عن أهمية الموسيقى والغناء في حضارة الأندلس، إلى أن انتشار وإشاعة الغناء ما كان ليتحقق لولا توفر بعض العوامل وعلى رأسها «نبوغ جوار ماهرات في الأداء»، فضلا بطبيعة الحال عن «التوسل في الأداء بآلات للعزف كثيرة ومتنوعة». وعلى عكس ما أصبح شائعا اليوم، فقد كانت الشيخات محط تكريم على العموم، وكانت ذوات نفوذ رمزي على مستوى القبيلة، وعلى مستوى مراكز السلطة المحلية مثل القياد وأحيانا حتى على مستوى السلطة المركزية.
إن الصورة التي أوردها الأخوان طارو في كتابهما «فاس أو بورجوازيو الإسلام» عن الشيخات اللائي كن يتناولن وجبة العشاء مع المدعوين إلى العرس، بعد انتهاء وصلة غنائية، وقبل عودتهن إلى مواصلة الغناء والرقص، قد تآكلت اليوم تقريبا. واختفى الدور التثقيفي الذي كانت تلعبه الشيخات في أوساط الحريم، حينما كن يروجن آخر مستجدات الخياطة والطرز ووصفات الطبخ، قبل أن يحين موعد الحفل فيتفرغن للسهر وإشاعة أجواء البسمة والابتهاج والتلذذ.
ومما جاء في رواية شفوية، أسوقها كما هي «كانت الشيخات محترمات. وذاك الوقت، كان الزين، شيخات سطات كانوا بيضات مَصگُولات، العين كَحْلة. كانوا الشيخات القيباليّاتْ (من قيبَالْ) والگْرينيَّات (من بن يگرين) فنانات وزينات. الماء تبدل اليوم، ولات فيه الملحة زايدة شويا، والشيخات ولاو حمرانيات. الماء كان معاونهم على الزين. بكري كانوا رافدين بيهم. كانت القبيلة ترفد بيهم وتشجعهم. وكانوا يتزوجوا منهم. ولد الفَرْجية كان متزوج شيخة. وما شي ع هو. كانوا القياد والشيوخ حتى هوما يتزوجوا منهم. كانت الشيخة ما تمشيش مع من والا. كانت تمشي غير مع اللي ليها… أولا مع صحاب المخزن أو مع الناس اللي لا بد منهم (…). القايد صالح كان لما يبغي يمشي ينعس، يأمر الشيخات باش يكملوا الغناء مع أولاده. وما اللي عيالات القايد يبغيوا حتى هو ما يتفرجوا، كان يامر يديروا إزار فاصل يبقاو الشيوخ وراه، والشيخات مع لعيالات.
لقد كان الجمال والصوت الجيد والمهارة في الأداء واحترام أصول المهنة هي المحددات الأساسية للشيخة المقبولة والمؤثرة فنيا واجتماعيا. وهناك من كانت تمتلك إلى جانب ذلك موهبة التواصل الإنساني والقدرة على تلقين النساء كل جديد في الثقافة النسائية. ولأن الشيخات والأشياخ كانوا يغشون فضاءات مخزنية وأرستقراطية، كانوا يكتسبون المزيد من المهارات والخبرات الاجتماعية والثقافية التي تصبح نوعا من الامتياز الذي يكونون في الغالب أسخياء باقتسامه مع آخرين وأخريات، ومن ثم كانت توصف الشيخة الجيدة بأنها «شيخة مخزنية». ومعنى هذه الصفة أنها شيخة متحضرة ومؤدبة، تعرف متى تتكلم ومتى تنصت، وتعرف كيف تتكلم، وكيف تلبس، وكيف تتواصل وتؤثر، أو كما قال الشيخ مصطفى البيضاوي، «الآداب قبل الأداء». والواقع أن ذلك يكشف عن مدى تجذر الثقافة المخزنية، بمعناها الثقافي والاجتماعي والإيديولوجي، في أعماق النخب القروية، ليس فقط لدى الفقهاء والعلماء والقضاة والأمناء والشيوخ، وإنما حتى لدى هؤلاء الفنانين البسطاء والفنانات البسيطات الذين غالبا ما كانوا يتحدرون من أوساط قروية وزراعية متواضعة ومحرومة. لذلك، كان هناك دائما نوع من التماهي بين أشياخ وشيخات العيطة وبين رجال ونساء المخزن، في اللباس والمظهر والسلوك والتصرف، وفي آداب الأكل والشرب والجلوس والنهوض، وما إلى ذلك ما أسماه المؤرخ عبد الرحمن المودن ب»درجة استيعاب الصورة المخزنية» أو درجة «المخزنة».
إعداد: أحمد الأرقام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق