بانوراما

رقصـة الإغـراء

العيطة مع حسن نجمي

هيمن الفن العصري على القنوات العمومية، وعلى مختلف وسائط الاتصال، وهو فن مكتوب ومتداول، لكنه رغم ذلك لم يقدر على حجب فن العيطة، الذي كان يسخر منه المثقفون، والنخب الفكرية والاقتصادية في سبعينات القرن الماضي إلى بداية الألفية الثالثة، ما جعل هذا التراث الشفوي غير مكتوب، ينتصر ويعلن عن ذاته أنه جزء من الذاكرة الجمعية للمغاربة، تنقل كلماته جيلا عن جيل، ويطرب له الملايين في الحفلات والأعراس، ويجعل الذين يرفضونه يرقصون على نغماته. ولأجل تقريب قراء «الصباح» من هذا الفن الراقي، يقدم الدكتور حسن نجمي، توضيحات في حلقات الصيف عن هذا الفن.
الحلقة ٥

الشيخة لها دور حاسم في الفرح والاحتفال لدى المغاربة

سجل الأجانب وكبار مسؤولي الدولة بالمغرب أن رقصة الشيخات مغرية وهذا الأمر لا يمكن إنكاره بالنسبة إلى أي مواطن حضر حفلا عموميا أو خاصا بالشيخات، لذلك ظل الإسباني غومث كاريو منبهرا ومتفقا مع الشريف جعفر الناصري، قائلا» إن الراقصات الثلاث اقتربن مني، وقدمن لي فنهن الآسر، يرقصن دون أن يغيرن المكان، يبتعدن خطوة، ثم يعدن بسرعة إلى جانبي، ينثنين جماعة، ثم تبتعد اثنتان منهن ليتركنني وحدي مع التي في الوسط فتزداد هذه اقترابا مني إلى أن تلمسني بذيولها المجنحة وتقدم لي اختلاجاتها وارتعاشاتها وينعطف جذعها الأهيف الذي لا يستره إلا قميص شفاف، وتتجه ذراعاها المفتوحتان نحوي يرفرفان كأنهما تحاولان ضمي، وتنثني ركبتاها في خفة، وعندما تخار قواها، وتتوقف قدماها عن الحركة وتكف يداها عن تحريك الصناجات المذهبة فإن إحدى رفيقتيها تحل محلها، وتعيد علي المشهد الغزلي، ثم يأتي الدور على الثالثة بالحركات نفسها والرغبة نفسها في افتتاني».
وإلى حدود 1924، كانت المهن النسائية قليلة جدا مقارنة مع تلك التي كان ينجزها الذكور. وقد ذكر بروسبير ريكار في دراسة له عن النساء في مغرب العشرينات من القرن العشرين، أن النساء كان مسموحا لهن عمليا بممارسة ست عشرة مهنة فقط من بين مائة وست وعشرين مهنة قام برصدها، وهي مهن مع ذلك كان مسموحا للرجال بممارسة بعضها باستثناء تسع منها كانت محض نسوية: فتالة كسكس، خبازة، حلوانية متخصصة في حلوى «كعب الغزال»، معلمة بسطيلة (متخصصة في عجن ورق بسطيلة)، طباخة، معلمة نسيج (النَّجْ)، معلمة زرابي، خياطة، نگّافة، دلالة، طيابة (في الحمام)، جلاسة (في الحمام أيضا)، قابلة، حناية (نقاشة الحناء)، غسالة (تغسل النساء الميتات)، حضارة تغني غناء الندب أثناء المآتم والمدائح الدينية والصوفية، شيخة تغني الغناء الشعبي التقليدي.
وميز ريكار في مهنة الغناء التي كانت تمارسها المرأة بالمغرب، بين الديني (روحي، مقدس) تغنيه نساء يسموهن «حضارات»، وغناء دنيوي «عيطي»، رعوي أساسا، وتغنيه نساء يسمونهن «شيخات». والواقع أن الأمر يتعلق بالنساء أنفسهن في أغلب الحالات والمناسبات، اللهم لمن كان يتقدم بهن العمر فيتفرغن للمناسبات الدينية والمأتمية فقط. فالشيخات غالبا كن يتكيفن مع كل سياق حسب مقتضياته.
لقد اشتهر الأخوان الفرنسيان جيروم وجان طارو برحلاتهما المتعددة، وبالأخص رحلاتهما المتكررة إلى المغرب بدعوة من المقيم العام الماريشال ليوطي، إلى مراكش والرباط، وآخر رحلة إلى فاس يرجح أنها تمت قبل متم 1926، وتوقفا عند ولع المغاربة، من مختلف طبقاتهم الاجتماعية من أبسط صانع حرفي إلى الأكثر ثراء، بالاحتفال. ولاحظا بأن «هناك شخصية واحدة تنهض على كاهلها حياة الفرح والاحتفال وتظل تنهض بالدور الحاسم في ذلك، هي الشيخة، والتي هي في الآن نفسه مغنية، وراقصة، ومحظية، ووسيطة ـ وهي أدوار لا يندهش المرء إذا لاحظ أنها تجتمع في شخص واحد، بل وينضاف إليها الامتياز اللافت بأن تكون هي مثار اهتمام كل الأعراس العائلية، هي الشيخة.

إعداد: أحمد الأرقام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق