fbpx
افتتاحية

“الحر بالغمزة”

لا يمكن أن يحتمل خطاب الملك أكثر من قراءة واحدة، لذلك فهم جميع المغاربة أن أنانية الأحزاب هي سبب كل المآسي، ما عدا قادة هذه الأحزاب نفسها، الذين هرولوا يهللون وكأن خطاب العرش لم يكن يعنيهم…. وكأن الملك كان يتكلم عن أحزاب دولة أخرى، مع أن جلالته كان واضحا وصريحا ومباشرا، ولم يترك مجالا للتأويل والمراوغة أو الالتفاف، وهو يتساءل مستنكرا «إذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب»؟
ومع ذلك، لم تنقشع سحب الوقاحة من تصريحات زعماء الأحزاب الذين تهافت جلهم على الخطاب الموجه إلى الأمة لمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لاعتلاء العرش، يتحدثون عنه وكأنهم ليسوا معنيين بأمره، مع أنه حمل في طياته إشارات تعبر عن نوع الأجوبة وردود الأفعال المطلوبة، خاصة حين أشار الملك إلى مسألة تبرير العجز بترديد أسطوانات متآكلة، وهو يوجه رسالته إلى زعماء هؤلاء الأحزاب قائلا «كان الأجدر بهم تقديم الاستقالة، التي لا يمنعهم منها أحد».
من الواضح أنه سيكون لخطاب العرش ما بعده، رغم أن الملك فضل اللجوء إلى لغة الحوار مع الأحزاب علها تستدرك أخطاءها في الوقت الميت وتجنب البلاد طريق المحاكمات، حتى لا نعطي الانطباع للعالم أن المغرب يسير على المنهاج التركي، مع أن جلالته لم يتردد في توجيه تهمة الخيانة إلى جميع السياسيين والمسؤولين المعرقلين، مع أنه، في الوقت نفسه، منحهم فرصة العودة إلى رشدهم، والدخول في مرحلة انتقالية لا محيد عنها، حمل الخطاب معالم طريقها وهو يشدد على ضرورة التفعيل الكامل والسليم للدستور، في مواجهة اختلالات تدبير الشأن العام، مادام الأمر يتعلق بمسؤولية جماعية تهم كل الفاعلين، حكومة وبرلمانا، وأحزابا، وكافة المؤسسات، كل في مجال اختصاصه، رافضا أي تراجع عن المكاسب الديمقراطية، وأي عرقلة لعمل المؤسسات، مادام الدستور والقانون واضحين، والاختصاصات لا تحتاج إلى تأويل.
لقد شاخت أحزابنا ولم تعد قادرة على مواكبات تحولات اجتماعية متسارعة، ولا على التحرك بالسرعة الكفيلة بتحقيق تطلعات اقتصاد يجتهد في البحث عن سبل للإقلاع، لذلك لم تجد حلا سوى الاختباء خلف الملك ظنا منها أنها ستبقى خارج المحاسبة، وتهربت من واجبها الوطني، وبدل أن تتضافر جهودها من أجل الصالح العام، فضلت تقاذف التهم والمسؤوليات، وانتصرت لحساباتها السياسية الضيقة، فغاب الوطن، وضاعت مصالح المواطنين.
الأكيد أن البلاد لا يمكن أن تستكمل مسارها الديمقراطي وطريقها نحو النمو الاقتصادي والاجتماعي، بدون أحزاب. لكن لا يمكن الحديث عن ديمقراطية بدون ديمقراطيين وبدون سياسيين يحترمون ذكاء المواطنين، ويفرقون بين نبل السياسة وانتهازية الاسترزاق، ولذلك وجب تدارك الوضع قبل فوات الأوان.
ليس أمامنا اليوم إذن، سوى إدخال الأحزاب العليلة إلى العناية المركزة، تجنبا لسكتة حزبية كشف الملك أعراضها، واقترح سبل علاجها… وما على الساسة إلا التفكر والتدبر مليّا في المثل المغربي «الحر بالغمزة …».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى