fbpx
بانوراما

اليتم المبكر… مرحبا بالأحزان

الهيني… رفعت الجلسة

معالم الانهيار بدأت تظهر على كل أفراد الأسرة بعد وفاة الوالد

يقال إن عمر الإنسان لا يقاس بعدد السنين التي مضت منه بقدر ما يقاس، بما عاشه من تجارب، وما سطر في حياته من مراحل بعضها مضيء والآخر مظلم. بين الأمل والرغبة في التحدي، عاش محمد الهيني، القاضي السابق، تجارب مثيرة بصمت حياته، بدءا من الطفولة والبعد عن حضن الأم، والاستقرار بدار للأيتام، ثم العودة إلى حضن الأسرة ومواصلة المسيرة الدراسية التي توجت باعتلاء مقعد القاضي المدافع عن الحقوق والحريات، لكن القدر شاء مرة أخرى أن يخطف منه تلك الفرحة. هي قصة كفاح يحكيها محمد الهيني، كفاح من أجل البقاء في مجتمع لا يؤمن إلا بلغة القوي، تماما مثل قانون الغاب.

الحلقة الثالثة

“في 1982 جاءت كلمة اللوح المحفوظ، إذ انتقلت روح والدي إلى جوار ربها. كنت أنا ووالدتي بالعاصمة في مهمة عائلية لعلها ختاني، ما أزال أتذكر طعم الموت الذي ذقت مرارته وأنا في الربيع الخامس من العمر”.
كانت دموع والدته تملأ وجهها، ولم يكن يومها يفهم معنى الدموع لغة أقوى من كل اللغات. كان الوضع صعبا بالنسبة إلى طفل يذوق طعم اليتم وفي عنفوان الطفولة، موت الأب كلف الأسرة الكثير. مع سماع الخبر، عاد سي محمد إلى فاس رفقة والدته ولم يكن رفيقهما في تلك الطريق سوى تلك الدموع الدافئة التي ملأت مقلتي أمه التي تحملت الكثير.
كان موتا مضاعفا وبمرارة مضاعفة. فالأب انتقل إلى دار البقاء. والأم ستصبح وجها لوجه مع القدر الذي لا يرحم. مشاكل الحياة من مأكل ومشرب وكراء وإنارة… كل ذلك كان ثقلا مضاعفا على عاتق والدته التي تحملت كل تلك العذابات من أجل أبنائها.
انتقل الأب إلى دار البقاء وانتقلت معه كل الآمال التي كانت تملأ زوايا الدار. وحدها المعاناة وعذابات الحياة بقيت على جسد والدته النحيف. و”من أجل حمايتي وحماية إخوتي، اضطرت الوالدة إلى التشمير على ساعديها. لقت تقمصت شخصية الأب و”ترجلت” بغية تأمين الحاجيات اليومية لأبنائها الذين لم يشتد عودهم بعد”.
وأمام صعوبة التحديات وكثرة حاجيات العيش، اضطر أخوه الأكبر إلى ولوج سوق الشغل في ظروف صعبة وهو في مقتبل العمر، عساه ينجح في مساعدة الوالدة والتخفيف عنها ثقل الحياة ومتطلباتها. ويبدو أن مشاكل الحياة فرضت على أخيه الأكبر مغادرة رحاب المدرسة نحو احتراف مهن لم يكن جسده يتحمل مشاقها، ولكنه مكره لا بطل. فاضطر إلى البحث عن فرصة لجني دراهم معدودات تساعد الوالدة في ضمان الحد الأدنى من حاجيات الأبناء اليتامى الصغار. ليس ثمة لا رحيم ولا شفيق. وحدها الأمومة كانت حضنا دافئا يخفف عنهم هول الحياة ومصاعبها. عدوى مغادرة الدراسة ستنتقل إلى أخيه الأصغر الذي اضطر بدوره أمام التقلبات اليومية إلى مغادرة الدراسة على غرار الأخ البكر.
هنا بدأت معالم الانهيار تظهر على كل أفراد الأسرة. وحده محمد الذي التزم الهدوء ودون أن يدري كيف، وفي ظل الظروف الصعبة التي تعانيها الأسرة استمر في الدراسة، فعموما كانت للأقدار كلمة أربكت مناخ الأسرة التي كانت حيص بيص بين آمال تموت في المخاض، وبين مشاكل تزداد يوما عن يوم.
“ما عاشه إخوتي وما تحملته والدتي كان بمثابة حزن يقتلني وأنا طفل صغير شاءت ظروفه أن يعانق الآلام وهو في مقتبل العمر. أحيانا كنت أيضا أعمل إلى جانب أخي وكان رب العمل يمنحني خمسة دراهم فقط أجرة لأيام وأيام. أمسك المبلغ بين أناملي وأهرول فرحا نحو الوالدة. ما أجمل أن تظهر نقطة ضوء في بحر من ظلام”.
كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى