fbpx
ملف الصباح

أجيرات يرتمين في الدعارة لسد عجز رواتب هزيلة

أغلبهن يعشن في المدن الكبيرة ويلجأن إلى “الساعات الإضافية” للتغلب على مصاريف حياة باهظة

يرن الهاتف المحمول، تمد “كوثر” يدها في كسل، تتطلع إلى الرقم بتثاقل، وباليد الأخرى تمسح نوما ثقيلا عن جفنيها. وحين تتعرف إلى هوية المتصل، تضغط على زر السماعة، وتهمهم بكلمات متقطعة تختمها بكلمة “أوكي”، ثم ترمي الهاتف بجابنها وتواصل “الشخير”.
الساعة تشير إلى الثامنة من مساء يوم عطلة أسبوعية، تزيح “كوثر” اللحاف عن جسد نصف عار، وتتجه إلى مرآتها، حيث ينتظرها عمل طويل لإصلاح ما أفسده سهر ونوم طويلان، ترتدي قميصا بنيا مفتوحا جهة النهدين ومنحسرا جهة الصرة، وسروال جينز ضيق وحقيبتها الجلدية المنتفخة بأشياء أخرى، أغلب الظن أنها لوازم سهرة حتى الصباح.
المشهد أقرب إلى أحد أدوار الممثلة المصرية سمية خشاب في فيلم “خيانة مشروعة” لمخرجه يوسف خالد وبطولة هاني سلامة وهشام سليم ومي عز الدين، وتجسد فيه “خشاب” دورا مركبا لفتاة تقطن في حي عشوائي وسط القاهرة، وتعيل أسرة تتكون من شقيق عاطل يقضي سواد يومه في الشجار في مقهى الحي،  دفاعا عن كرامته، إذ تتكلف شقيقته بمصروف جيبه، وشقيقين صغيرين تتكفل بدراستهما ومصاريفهما، وأم مستسلمة للأمر الواقع، وأب يرقد على فراش سرطان خبيث، ويستهلك كميات كبيرة من الأدوية المسكنة للآلام.
وفي لحظة عجز تجد الخشاب أن أجرتها الهزيلة التي تتقاضاها من عملها مستخدمة في محل لبيع مواد التجميل، لا تكفيها لسد كل هذه الأفواه، فلم يعد لها خيار غير اللجوء إلى عمل مواز في الدعارة، إذ “احترفت” مقاضاة جسدها، كل ليلة، بسخاء بطل الفيلم الميسور (هاني سلامة) الذي يعيش عقدا نفسية مع أسرته وزوجته سببها المال والإرث تنتهي بجريمة قتل.
مثل سمية الخشاب في الفيلم/الخيال، يوجد عدد كبير من “البطلات” في الواقع اللواتي يضطررن، تحت الحاجة ومصاريف حياة ملتهبة، إلى تقليص المسافة إلى فضاءات الدعارة وعرض أجسادهن في سوق النخاسة لسد الخصاص الشهري في أجرة هزيلة لا تغطي تكاليف ثلاثة أيام.
ويزداد الأمر صعوبة، حين تجد الواحدة من هؤلاء نفسها تحمل صفة المعيل الوحيد لأسرة من عدة أفراد يتطلعون، نهاية كل شهر، إلى محفظة نقودها التي تفرغها، بالكامل، على حاجيات ضرورية تبدأ من مصاريف الملابس والدراسة والكتب بالنسبة إلى الأخ الصغير، وقُفف الخضر واللحم والمواد الغذائية، وأكياس الدواء للمرضى، ومصاريف الماء والكهرباء والكراء والهاتف…لا تنتهي بفلوس الحمام و”الصابون البلدي” و”كوافورة” بالنسبة إلى الشقيقة الأخرى في سن الــــــــمراهقة..
موظفات في سلالم دنيا ومستخدمات محلات تجارية وسكرتيرات وعاملات شركات و”كوافورات”..وغيرهن، لكل واحدة مبررها في احتراف مهنة أخرى موازية تعينها على سد الخصاص. وأغلبهن حظين بمستوى تعليمي عاد أهلهن للاختباء في وظائف ومهن يتراوح مقابلها الشهري بين 1500 درهم و2500 درهم ويعشن في مدن كبرى تتطلب “الحياة” فيها ما يوازي “غسيل الفـــــــــندق”.
وهنا يشع خيار امتهان وظيفة أخرى موازية مثل طوق نجاة بالنسبة إلى الكثير منهن، وغالبا ما يتم ذلك بتواطؤ مع بعض أفراد الأسرة مثل الأم، أو الشقيق، كما يحدث في فيلم “خيانة مشروعة”، حين تخير سمية خشاب أخيها بين خروجه للعمل لإعالة نفسه وتوفير الدواء لوالده المريض ومصاريف الدراسة لشقيقيه الصغيرين، وبين وضع كلتي يديه على فمه والتزام الصمت، وعدم اعتراض سبيلها كلما قررت الخروج ليلا إلى “عملها الإضافي”.
في بعض الأحيان، يكون هذا الخصاص عبارة عن “ثقب” كبير في الأجرة الشهرية، لأن صاحبته اختارت أن تغرق نفسها في “كماليات” لا قبل لها بها، مثل التورط في “ليزينغ” السيارة الجديدة ذات اللون الأحمر، وقرض آخر لاقتناء شقة خاصة في السكن الاجتماعي، وإنهاك ما تبقى من أجرة بالتردد، شهريا، على محلات المثلث الذهبي بالدار البيضاء الذي يضم أرقى محلات “الفرانشيز”. دون إغفال طبعا الانخراط الضروري في قاعات “السبا” و”الأيروبيك” ورياضات الرشاقة وتخسيس الوزن.
“لكل شيء ثمنه”، تقول مسيرة محل تجاري بشارع الدار البيضاء، مؤكدة في حديث جانبي لـ”الصباح”، أنها تعرف عددا من المترددات على المحل اللواتي يجهرن بلجوئهن إلى “ساعات إضافية” مؤدى عنها، تتحول بالنسبة إلى بعضهن إلى دخل قار لا غنى عنه لخلق نوع من الموازنة بين أجرتين أو ثلاثة في الشهر، وبين المصاريف الباهظة ومسايرة موجة في الغلاء.
بدت المسيرة نفسها أنها تعرف حكايات موظفات ومستخدمات يعبرن كل يوم من هذا المكان، ويعشن بقبعات مزدوجة: واحدة للعفة والوقار في النهار، وأخرى للعهر والبيع والشراء في الليل.
ولسبب ما، لم ترغب المسيرة في لعبة الأسماء والتشهير، لكنها فضلت الاجتهاد في تفسير الظاهرة باعتبارها تطورا بشعا لتطور منطق السوق الذي امتد إلى قيم مثل القناعة والتوزيع غير العادل للأرزاق والرغبة في مسايرة التطور السريع للموضة والوجاهة الاجتماعية، في بعض المدن الكبرى على الخصوص، الذي يمكن أن يتحول إلى وبال على البعض.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى