fbpx
بانوراما

العيـوط… نفحـات صوفيـة

العيوط… رحلة مع أشهر الشيخات

«الشيخة» ليست فنانة مبتذلة، كما يخيل إلى البعض، وفن العيطة تراث مغربي أصيل، وصورة لهوية مغربية أبدعت قصائد وألحانا وأداء.. العيطة إرث تاريخي وثقافي، مثلها مثل باقي الألوان الموسيقية الأخرى، لكنها فن ووعاء لكل قضايا الأرض ووجدان الإنسان المغربي. حاول الاستعمار ابتذالها، فسلط «القياد» عليها، لكنها لم تستسلم، إذ ظلت الحناجر في القبائل تصدح بالأغاني. تجاهلتها الحركة الوطنية وسهت عن دورها، فأنجبت شيوخا وشيخات وقصصا إنسانية نادرة. في الحلقات التالية ينقب عبد السلام غيور، موسيقي، باحث في التراث الموسيقي، عن درر فن العيطة، ويكشف أهم شخصياتها وقصصها الإنسانية، ويرسم خارطة انتشارها بدءا من جبال الريف إلى تخوم أفيلال.. رحلة ممتعة في عالم يستحق أكثر من دراسة.

الشيخة “عائشة الكارم” تغني لأم كلثوم وعبد الوهاب واسمهان

الحلقة الثانية

يُحسب للشيخات دورهن الكبير في الفن المغربي الأصيل، وتحكي الكتب والمراجع قصصا مثيرة عن حياة بعضهن، مثل الشيخة «الغالية» ببني ملال ووادي زم انتقلت من بني ملال لآسفي لإحياء حفلة موسيقية، وصادف ذلك حضور الطفلة فاطنة بنت الحسين، فشاهدت «الغالية» وتأثرت بغنائها.
ومن أهمهن كذلك، الشيخة «عائشة الكارم» ببني ملال، التي تعاطت للغناء في صغرها، واشتهرت بعزفها الجميل على آلة العود، وغنت أروع القصائد العربية، خاصة لأم كلثوم وعبد الوهاب واسمهان، في حين جسدت تجربة الشيخة «دامية»، في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، مرحلة تستحق الدرس، سيما أنها كانت عازفة ماهرة على آلة الكمان. في الفترة الموالية ظهر جيل جديد، إذ ذاع صيت الفنانة فاطنة بنت الحسين، والحمونية، والشيخة عايدة بمنطقة الحصبة، ثم ظهرت شيخات آسفي، مثل خديجة مركوم، وخديجة البيضاوية… وغيرهن ممن منحن لفن العيطة إشعاعا كبيرا، لكن الإشكال أن أغلبهن لم يتم تسويقه إعلاما وبحثا أكاديميا، فقد استفادت فئة محدودة جدا من الانتشار الإعلامي.
وعصفت فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي بكل المجهودات لكشف روعة فن العيطة، بعيدا عن الصورة النمطية حول الشيخات، إذ انطلقت ما سميت «حفلات المدن» التي جسدت عاملا ثانيا لتبخيس هذا النوع من الغناء، وتسويق صورة مشوهة عنه. ويعتبر تحديد أنواع العيوط بالمغرب إشكالا كبيرا، فأغلبية الباحثين اهتموا، فقط، بالعيطة من ناحية المتن، علما أنها غناء يتكون من ثلاثة عناصر أساسية، فهناك الشعر أي «الحبات»، والجمل الموسيقية، والإيقاعات الموظفة فيه.
وإذا تمعنا في جميع الكتابات التي تناول الموضوع، انطلاقا من الأستاذ بوحميد، مرورا بحسن نجمي، نجد أن أبحاث هؤلاء الباحثين ذات قيمة علمية كبيرة جدا، ولبنة أساسية في فن العيطة، لكن هناك أبحاثا أخرى غير متكاملة، ولا تعطي الصورة الحقيقية لفن العيطة.
لقد غلبت النزعة الجغرافية في التأريخ والبحث في فن العيطة، فأثرت على بعض الباحثين أثناء تصنيف العيوط، علما أن التصنيف يتطلب مجهودا كبيرا، بدءا من الاطلاع والاستماع لأغلبه، حينها يمكن تصنيفها اعتمادا على العناصر الموسيقية أي الجمل اللحنية والإيقاعات الموظفة والاهتمام بالمتن.
في التقسيم الجغرافي تبدأ أشهر العيوط من «العيوط الجبلية»، التي يطلق عليها اسم الطقطوقة الجبلية، وهو اسم غير صحيح إطلاقا، لأن الطقطوقة نوع من الغناء ظهر في مصر مع منيرة المهدية، وبسيط جدا، ويعتمد على إيقاع واحد وجملة موسيقية واحدة تتكرر. وتتميز العيطة الجبلية بخاصية أساسية، فالجملة الموسيقية المستعملة فيها تنتمي إلى «مقام الحجاز» المعروف في الشرق، لكن يعزف بتقنية وصيغة تتضمن نكهة صوفية تعبر عن تركيبة سكان المنطقة، أي جبالة، ولها ترتيب خاص من ناحية الإيقاعات يطلق عليه «إيقاع الأعرج»، ويتوفر على خمسة أزمنة، بالانتقال من «ميزان الكباحي» إلى «الإيقاع 6/8 «، وهو إيقاع راقص.
ومن ناحية المتن نجد أشهر قصائد العيطة الجبلية تتحدث في مقطعها الأول عن الجانب الديني، في حين يتحدث المقطع الثاني عن الغزل، وينتهي بإيقاع راقص في النهاية.. إنها أهم ملامح العيطة الجبلية.
جنوبا، نجد العيطة الغرباوية، التي تعرف ب»الهيت»، وتغلب عليها الإيقاعات المرتبطة بالطوائف الدينية القريبة من المنطقة، كما تأثرت كثيرا بعيساوة، لهذا سنجد المرحوم محمد الرايسي تحدث عن هذه الخاصية بإسهاب كبير، كاشفا عن الأنغام والإيقاعات التي استمدت من الألوان الموسيقية الصوفية. وترتبط العيطة الغرباوية، في تصنيف أنواع الأنغام بها، بالمناطق الجغرافية أو بعض المهن أو النشاطات (مثل «الحلوفي»، أي صيد الخنزير، أو «الحدادي» المرتبط بمهنة الحدادة).
خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى