fbpx
حوادث

وضعية المتصرفين في الإدارات العمومية

الإقصاء والتمييز بين المراكز القانونية والمالية لوضعيتهم مقارنة مع باقي الأطر لا يستندان إلى أي أساس موضوعي

الحق في المساواة هو ما رددته الدساتير المغربية المتعاقبة جميعها، باعتباره أساس العدل و الحرية و السلم الاجتماعي، على اعتبار الغاية التي يتوخاها المشرع، تتمثل أصلا في صون حقوق المواطنين و تأمين حرياتهم في مواجهة صور من التمييز تنال منها، أو تقيد ممارستها، حيث غدا هذا المبدأ في جوهره وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة
التي لا تمييز فيها بين المراكز القانونية المتماثلة والتي لا يقتصر تطبيقها على الحقوق والواجبات المنصوص عليها في الدستور،
بل يمتد مجال إعمالها إلى تلك التي يقررها القانون ويكون مصدراً لها.

بقلم: الزكراوي محمد*

السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق لا يجوز بحال أن تؤول إلى التمييز بين المراكز القانونية التي تتحدد وفق شروط موضوعية يتكافأ المواطنون من خلالها أمام القانون. بناء على ما تقدم، ولما كان الثابت  ضرورة إعمال قواعد المساواة بين كافة العاملين بالمرافق العمومية والذين يشغلون مناصب مماثلة في الوقت نفسه، تبعاً للقانون الذي ينظم شؤون و مستحقات كل منهم، باعتبار أن كلا منهم يكمل الآخر ولا يستطيع العمل بدونه الأمر الذي يقتضي أن تجنح الحكومة ناحية إقرار الحقوق والمساواة طبقاً لما جاء بالمادة 19 من الدستور التي نصت على أن المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، وألزمت الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على جميع أشكال التمييز.
وبما أننا إزاء وضعية شاردة بين المد و الجزر، والتي جسدتها وضعية المتصرفين العاملين بالمرافق العمومية للدولة، نتساءل من وجهة قانونية، حول ما مدى أحقيتهم القانونية في تسوية مراكزهم القانونية و المالية، مماثلة بباقي الأطر الموازية. ؟ سؤال سنعالجه من زاوية قانونية من خلال إبراز مكامن الإشكال المطروح من خلال فقرتين.
الفقرة الأولى: الإخلال بمبدأ المساواة في المراكز القانونية والمالية للمتصرفين على غرار الأطر المماثلة
إن ما عهد به تشريعا و قضاء، كلاهما استقر على أن الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون يتحقق بأي عمل يهدر الحماية القانونية المتكافئة، تتخذه الدولة سواء من خلال سلطتها التشريعية أو عن طريق سلطتها التنفيذية، بما مؤداه أن أياً من هاتين السلطتين لا يجوز أن تفرض معاملة مغايرة ما لم يكن ذلك مبرراً بفروق منطقية يمكن ربطها عقلاً بالأغراض التي يتوخاها العمل التشريعي الصادر عنهما؛ وكأن لا صحة للقول بأن كل تقسيم تشريعي يعتبر تصنيفاً منافياً لمبدأ المساواة، بل يتعين دوماً أن ينظر إلى النصوص القانونية باعتبارها وسائل حددها المشرع لتحقيق أغراض يبتغيها، فلا يستقيم إعمال مبدأ المساواة أمام القانون إلا على ضوء مشروعية تلك الأغراض، واتصال هذه الوسائل منطقياً بها؛ ولا يتصور بالتالي أن يكون تقييم التقسيم التشريعي منفصلاً عن الأغراض التي يبتغيها المشرع. ولما كان من الثابت و تبعا لما جاء في ديباجة دستور 2011 إن المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل إقامة مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية،وحيث إن المتصرفين العاملين بالمرافق العمومية للدولة يتماثلون في مراكزهم القانونية والعملية بباقي الأطر التي توازيهم مركزا بالمؤسسات و مرافق الدولة باعتبارهم جميعا من العاملين داخل نطاق المرفق العمومي، فهم متماثلون في المراكز القانونية نظرا لأن طبيعة مراكزهم القانونية متماثلة. وحيث إن طبيعة أعمالهم واحدة فإنه ينبغي أن تكون أجورهم واحدة تطبيقا لحق العامل في اقتضاء الأجر العادل لقاء عمله الذي يتكافأ مع عمل نظيره وذلك إعمالا لنص المادة (19) من الدستور.
ولما كان من الثابت أن موظفي الدولة والعاملين بالمرافق العمومية يخضعون إلى قانون الوظيفة العمومية باعتباره الشريعة العامة المنظمة أحكامه لموظفي الدولة، والذي نظمت نصوصه أحكام الأجور المستحقة للعاملين مقابل ما يؤدونه من أعمال، وهي أحكام واحدة تطبق على كافة العاملين بالدولة ومنهم متصرفو الإدارات العمومية والجماعات الترابية، و حيث إنه من المستقر عليه ألا يحصل بعض الموظفين في وضعيات مماثلة لبعضهم البعض على امتياز إلا بالنظر إلى طبيعة الأعمال التي يؤدونها وأهميتها، فإذا كانت مراكزهم القانونية نابعة من قانون واحد تنظم أحكامه مقتضيات عامة للوظيفة العمومية، فإن الأجر المقرر لجميعهم ينبغي أن يكون متماثلا.
إن الإقصاء و التمييز بين المراكز القانونية و المالية لوضعية للمتصرفين مقارنة بباقي الأطر المماثلة بدعوى وجود أنظمة أساسية خاصة تنظم أحكام باقي الأطر المماثلة، لا يستندان إلى أي أساس موضوعي أو قانوني يبررانهما، ومن ثم يتضح هذا التمييز تمييزا تحكميا بالمخالفة لنص المادة 19 من الدستور، الأمر الذي يلزم الحكومة بإصدار قرار بمساواة المتصرفين في كل المزايا المالية والعينية، أيا كانت صورتها أو تسميتها التي يحصل عليها نظراؤهم من الأطر المماثلة لهم والتسوية التامة في المخصصات المالية.
الفقرة الثانية : مقترحات لتسوية وضعية ملف المتصرفين
إن مبنى النعي الذي يثيره المتصرفون في شأن الوضعية القانونية و المالية لهم و التي مبناها وجود وضعيات خاصة شملتها الأنظمة الأساسية الخاصة ببعض العاملين بالإدارات العمومية والذين يماثلون مراكزهم القانونية، المشمولين بأحكام الأنظمة الأساسية و لتي بموجبها يتقاضون بدلات أو مكافآت وتعويضات خيالية، نعتبره من وجهة نظرنا غير منطقي في جوهره لأن المشرع بذلك، أقام تمييزاً غير مبرر بين الموظفين رغم تماثلهم جميعاً في المركز القانوني، وأخل بالحماية الدستورية للأجر مقابلا للعمل وبعدالة شروطه، بما يخالف أحكام المادتين (26) من قانون الوظيفة العمومية والمادة (19) من الدستور.
لأجل ذلك نقترح وفي إطار تفعيل مقتضيات الفصل 19 من الدستور والمادة 26 من قانون الوظيفة العمومية، وبهدف إرساء إدارة حديثة و فعالة و الرفع من جودتها و الاستجابة لمتطلبات النمو المطرد والتنمية المستدامة، وذالك وفق الإستراتيجية التي تبنتها الحكومة لإنجاز هذا الإصلاح، إجراء دراسة حول إرساء منظومة جديدة للأجور محفزة و متناسقة وشفافة ترتكز على مكافأة المجهود المبذول فعليا . هذا الإصلاح الذي يجب أن تراعى فيه متطلبات الإنصاف و التحكم في كتلة الأجور، ذلك أن منظومة الأجور الحالية بالنسبة إلى المتصرفين بالإدارات العمومية والجماعات الترابية لا تساير عدالة الأجور بين موظفي الدولة الذين هم في وضعيات قانونية مماثلة. والسبب في ذلك أن المنظومة الأجرية تشوبها مجموعة من الاختلالات أقلها هيمنة التعويضات في المنظومة الحالية للأجور بالمقارنة مع الراتب الأساسي، واستمرار التعامل بسياسة الفئوية في مجال الأجور، مما ترتب عنه بروز مختلف هيآت الموظفين والتي هي بدورها ناتجة عن تفاوتات و مزايدات بين تعدد الأنظمة الأساسية المتميزة أساسا باختلاف أنظمة التعويضات وغياب تجانس على مستوى المسار المهني (الترقي في الدرجة بالكوطا أو بدونها)
إن الإشكالية التي يعانيها المتصرفون ليست مرتبطة بالراتب الأساسي المرتبط بالرقم الاستدلالي ولكنها مرتبطة بضعف التعويضات سواء منها النظامية أو تلك الجزافية التي لا توزع في غالب الأحيان بالإنصاف و الشفافية المطلوبين، فيستفيد منها بعض الموظفين ويحرم منها البعض في قطاعات أخرى.
* باحث في الشؤون القانونية و الإدارية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى