fbpx
بانوراما

كل المذاهب تأخذ بضوابط تفسير واحدة

مالك قصر منع البيع قبل القبض على مواد الطعام وأجاز ذلك في السلع الأخرى
نقد الفكر الفقهي (5)

يعتبر أحمد الخمليشي، مدير دار الحديث الحسنية والفقيه القانوني، من بين المفكرين الذين جمعوا ما بين نظريات القانون الوضعي ومبادئه وأصول الفقه الشرعي، له سلسلة من وجهات النظر التي تناول فيها عددا من القضايا المعاصرة المطروحة على الفكر الفقهي. ويطرح المفكر المخضرم العديد من الأسئلة، المحرجة في بعض الأحيان، حول أسباب جمود الفقهي وتعليق الاجتهاد، ويتساءل في بعض وجهات نظره لماذا يشتغل الآلاف بدراسة أصول الفقه ولا ينتجون فقها، ولماذا لا يهتم دارسو الفقه الإسلامي والباحثون فيه بوقائع الحياة كما يعيشها الناس ويساهمون في تحليل عناصرها واقتراح الحلول الملائمة لها؟ تحاول “الصباح” في حوار مع المفكر أحمد الخمليشي، سينشر عبر حلقات، تقديم أهم ما جاء في نقده للفكر الفقهي.
أجرى الحوار: عبد الواحد كنفاوي< هل هناك ضوابط خاصة بكل مذهب لتفسير النصوص الجزئية؟
< وضع علم أصول الفقه ضوابط لتفسير النصوص الجزئية، وهذه الضوابط تشترك كل المذاهب في الأخذ بها مع استثناءات محدودة، ولم يصنع أي مذهب ضوابط تفسير خاصة به مع رفض ما يخالفها. وهو ما ينفي صفة "المدرسة" عن المذهب الفقهي.
أكثر من ذلك نجد مذهبا واحدا يأخذ بضابط تفسير في حالة، ويخالفه في واقعة أخرى. كالمثال الآتي الخاص بتعارض العموم مع المفهوم.
فقد ورد حديثان في موضوع بيع ما لم يقبضه البائع بعد: الحديث الأول يقول "لا تبع ما ليس عندك" والثاني:" نهى رسول الله (ص) عن بيع الطعام قبل قبضه ".
الحديث الأول يفيد منع بيع أي شيء قبل أن يقبضه البائع ويحوزه كان طعاما أو غيره، والثاني نهى عن بيع الطعام وحده ومفهومه عدم منع البيع لغير الطعام قبل القبض.
في هذين الحديثين رجح الإمام مالك الأخذ بالمفهوم وتقديمه على العموم، فقصر منع البيع قبل القبض على مواد الطعام وحدها، وأجاز البيع قبل القبض في كل المواد والسلع الأخرى غير الطعام.
بينما رجح الإمام الشافعي العموم على المفهوم، فمنع البيع قبل القبض لجميع الأشياء كانت طعاما أو غير طعام ترجيحا لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض.

< كيف انعكس الأمر بين الإمامين؟
< انعكس رأي الإمامين في واقعة مماثلة، ورد فيها حديثان يتعلقان بالزكاة، يقول أحدهما "في كل أربعين شاة شاة"، والآخر يقول "في الغنم السائمة صدقة".
الحديث الأول أوجب الزكاة بصيغة عامة سواء كانت الشياه تعلف أو تسرح بالخارج، بينما الحديث الثاني يتحدث عن السائمة ولا يتحدث عن المعلوفة، هنا جاء موقف الإمامين معاكسا لما قرراه في البيع قبل القبض فأخذ مالك بالعموم وقال بوجوب الزكاة في الغنم سواء كانت سائمة أم معلوفة، بناء على حديث العموم "في كل أربعين شاة شاة"، بينما أخذ الشافعي بالعكس. أي بالمفهوم لعبارة "في الغنم السائمة صدقة" وقال بعدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة.
يبدو جليا من هذا المثال استبعاد وصف المذاهب الفقهية بالمدارس الملتزمة بأفكارها الخاصة التي تميزها عن المدارس الأخرى في المجال المعرفي نفسه.
< هل يستنتج مما سبق أنه لم تكن هناك مبادئ قارة خاصة بكل مؤسس مذهب؟
< نعم اختلف أئمة المذاهب في كثير من الأحكام، ولكن ذلك لم يكن نتيجة نظريات وأفكار تأسيسية تميز بها كل إمام عن الآخرين في مبادئ تفسيره لنصوص الوحي، وإنما كان سببه التفاوت الطبيعي بين الأفراد في تقدير القرائن والملابسات المحيطة بكل واقعة يتم البحث عن حكمها كما يقول الغزالي.
فيبدو أن مالكا رجح قصر منع البيع قبل القبض على الطعام نظرا لحاجة الناس إليه خصوصا في "المدينة" التي كانت المواد الغذائية لا تأتيها إلا في قوافل موسمية متباعدة، ومن شأن البيع قبل القبض، تشجيع المضاربة وارتفاع الأسعار، بينما الشافعي عاش في واقع اجتماعي آخر في العراق وفي مصر فلم يستسغ التمييز بين الطعام وبين غيره من المواد المتبادلة في السوق، ورأى أن تفويت الأشياء قبل الحصول عليها من المفوت قد يؤدي إلى الاضطراب وإلى مشاكل في تنفيذ الالتزامات التعاقدية.
ومثل ذلك زكاة الغنم، إذ مال مالك إلى ربط الزكاة بالثروة بصرف النظر عن تكاليفها، في حين رأى الشافعي أن نفقة العلف ينبغي أن تؤثر على الزكاة مثل سقي المزروعات الذي ينقل مقدار الزكاة من العشر (10/1)إلى نصف العشر (20/1).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى