fbpx
بانوراما

قونسي: الجلادون قساة وساديون

أوراق من سنوات الرصاص

لم يكن أحد يتوقع أن نضالات الجماهير الطلابية ستقود مجموعة بنوهاشم إلى المعتقلات السرية في 12 أبريل 1976، وأكثر من ذلك التعرض لأبشع أنواع التعذيب في مختلف المراكز السرية.كانت المجموعة آنذاك تتكون من طلبة لا تتجاوز أعمارهم 22 سنة، وهم عبد الرحمان قونسي وعبد الناصر بنوهاشم ومحمد النضراني ومحمد الرحوي ومولاي إدريس الحريزي.
زج بهؤلاء في المراكز السرية ولم يحاكموا كغيرهم من مختطفي سنوات الرصاص، ولم يعرضوا على قاضي التحكيم، كما لم يبصموا على محاضر، ولو مزورة، ليظل اختطافهم لغزا محيرا إلى الآن. في السلسلة التالية، يستحضر أحد أعضائها، عبد الرحمان قونسي، شريط الأحداث وتفاصيل الاختطاف والتعذيب والترهيب والتنكيل في أبشع صوره بمعتقلات “الكومبليكس” و”أكدز” و”قلعة مكونة” و”سكورة”.
إعداد: عيسى الكامحي

الحلقة الثانية

تعرضنا لأنواع من الإهانة والحط من الكرامة والضرب والصعق بالكهرباء والكي بالسجائر

مازالت لحظة اختطاف مجموعة بنوهاشم عالقة في ذاكرة قونسي ورفاقه. يتذكرها بمرارة وحسرة، كما يستحضر قساوة الجلادين وعداوتهم المجانية، التي تحط من كرامة الإنسان “لقد اقتحمت مجموعات أمنية المنازل، وسمحت للمختطفين بشرب الماء ودخول الحمام، وتناول الغذاء حتى، قبل اقتيادهم إلى المعتقلات السرية، بمعنى أنهم كانوا أحرار في منازلهم، فيما نحن حرمنا من أبسط شروط المعاملة الإنسانية من قبل مجموعة ضباط “ديستي”، التابعين لمصلحة محمد العشعاشي”.
نقلت مجموعة بنوهاشم إلى المعتقل السري “الكومبليكس”، المعروف اختصارا (النقطة الثابتة 1)، في حي أكدال بالرباط. وضعت القيود في أيديهم، والعصابات على أعينهم، ثم بدأت فصول التعذيب بكل أشكاله.
لم ينتظر الجلادون وصول مجموعة بنوهاشم إلى المعتقل السري للشروع في أولى حلقات التعذيب، بل مارسوه في المنزل، وفي الطريق داخل سيارتهم الأمنية. يتذكر قونسي هذا التعذيب بكل تفاصيله “ضغط شخصان على رأسي بقوة وعنف، “احني راسك لمك”، وسدد لي لكمات على مستوى الفم والرقبة، إلى حد أنني أصبحت غير قادر على ابتلاع الريق، وصاح في وجهي “ماذا تتناول؟ هل تريد أن أعطيك مخدرا؟ أجبته بالنفي، فرد عليه “ماذا تتناول إذن؟، وأجبت “الخبز الذي يجد ملايين المغاربة صعوبة كبيرة في الحصول عليه، فانهالوا علي بالضرب والرفس إلى حد الإغماء”.
تابع قونسي ورفاقه رحلتهم نحو المجهول دون أن يحدد مصيرهم، والشيء الوحيد، الذي يدركه هؤلاء، هو أن التعذيب والتنكيل لا يكادان يتوقفان “حين وصولنا إلى المعتقل سيئ الذكر قاموا بتعليق محمد الرحوي، وواصلوا ضربه، وهو معلق بتقنية الطائرة، حتى بدأت قدماه تنزفان دما، ثم انتقلوا إلى تقنية الخنق بالماء، وهم يرددون “اسقه، إنه عطشان”.
“الكومبليكس”

خضع قونسي بدوره للتعذيب رفقة زميله محمد نضراني، لكن يختلف الأسلوب عن سابقه باعتماد تقنية أشد قسوة “تم تعذيبي رفقة زميلي محمد نضراني بتعريضنا للهواء البارد، إلى حد كدنا نقفز من مكانينا من شدة الارتجاف، ثم الصفع بكلتا اليدين على الأذنين معا دفعة واحدة، حتى فقدنا السمع لساعات طويلة. واستمر التعذيب عدة أيام بأساليب متنوعة من قبيل الاعتماد على تقنية الطائرة والخنق بالماء والكهرباء والكي بالسجائر”.
ربما كان قونسي محظوظا نسبيا لعدم تعرضه للتعذيب بالصعق بالكهرباء والخنق بالماء، على غرار باقي زملائه، ومضى قائلا “تعرضت للصفع و”التعلاق” بتقنية الطائرة والكي بالسجائر، لكنني لم أتعرض للخنق بالماء والصعق بالماء البارد”.
لم تكن أيام مجموعة بنوهاشم كلها تعذيبا في المعتقل السري “الكومبليكس”، عدا الأيام الأولى من اختطافهم.
يقول قونسي “باستثناء الأيام الأولى، التي تعرضنا فيها للتعذيب وسوء معاملة بعض السجانين الساديين، كالمدعو “ولد القوادة”، والذي كنا نتصدى له لحظة استفزازه لنا. لكننا كنا نخضع لقانون المعتقل السري، والمتمثل في القيد والعصابة والتمدد المكره على جنب واحد، لا يمكن تغييره إلا بعد استئذان “الحاج”، السجان المسؤول، والذي وصفه أحد رفاقنا بالحاج بيت الله العذاب”.
وإذا كان التعذيب وظروف القانون القاسية، السمة البارزة في معتقل “الكومبليكس”، فإن التغذية لم تكن سيئة، مقارنة مع باقي مراكز الاحتجاز الأخرى “كان الأكل يأتينا من مستشفى ابن سيناء في الرباط، حيث الغذاء متوازن نسبيا رغم أن كميته قليلة في أحيان كثيرة، ويتكون من لحم وخضر ودجاج وبيض وحليب وفاكهة و”اليوغورت”، كما أن الاستحمام متاح، غير أن القيد والعصابة والنوم الإجباري عن جنب واحد أرهقنا كثيرا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى