fbpx
بانوراما

قونسي: اختطافنا في 1976 لغز محير

أوراق من سنوات الرصاص

مجموعة بنوهاشم لم تعرض على المحاكمة أو قاضي التحقيق ولم تبصم على محاضر ولو مزورة
لم يكن أحد يتوقع أن نضالات الجماهير الطلابية ستقود مجموعة بنوهاشم إلى المعتقلات السرية في 12 أبريل 1976، وأكثر من ذلك التعرض لأبشع أنواع التعذيب في مختلف المراكز السرية.كانت المجموعة آنذاك تتكون من طلبة لا تتجاوز أعمارهم 22 سنة، وهم عبد الرحمان قونسي وعبد الناصر بنوهاشم ومحمد النضراني ومحمد الرحوي ومولاي إدريس الحريزي.
زج بهؤلاء في المراكز السرية ولم يحاكموا كغيرهم من مختطفي سنوات الرصاص، ولم يعرضوا على قاضي التحكيم، كما لم يبصموا على محاضر، ولو مزورة، ليظل اختطافهم لغزا محيرا إلى الآن. في السلسلة التالية، يستحضر أحد أعضائها، عبد الرحمان قونسي، شريط الأحداث وتفاصيل الاختطاف والتعذيب والترهيب والتنكيل في أبشع صوره بمعتقلات “الكومبليكس” و”أكدز” و”قلعة مكونة” و”سكورة”.
إعداد: عيسى الكامحي
الحلقة الأولى
اختطف عبد الرحمان قونسي، عضو مجموعة بنوهاشم يوم 12 أبريل 1976، ولم يكن حينها يتجاوز 21 سنة، وهو طالب بالمعهد الوطني للإحصاء.
لم يكن قونسي معنيا وحده بهذا الاختطاف، بل شمل كذلك زمرة من رفاقه، وهم عبد الناصر بنوهاشم ومحمد النضراني ومحمد الرحوي ومولاي إدريس الحريزي.
والغريب أن هؤلاء المختطفين لم يحاكموا، ولم يعرضوا على قاضي التحقيق، تماما كما لم يبصموا على محاضر، حتى ولو مزورة، ليبقى اختطافهم لغزا محيرا واستثنائيا غير مسبوق.
لم يقم المختطف قونسي ورفاقه بأنشطة سياسية خطيرة، بل انخرطوا كباقي أقرانهم في نضالات جماهيرية طلابية، الهدف منها تنظيم الشبيبة المدرسية، سواء في إطار النقابة الوطنية للتلاميذ، أو الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، المحظورة آنذاك.
هكذا يتحدث قونسي عن اختطافه القسري “لا ننكر أننا كنا مناضلين بسطاء في منظمة إلى الأمام، أي أننا كنا نصف ضمن التنظيمات الشبه جماهيرية، التابعة لها، ولم نكن أطرا أو قياديين في هذا التنظيم”.
لم يعامل قونسي ورفاقه، كغيرهم من مناضلي اليسار الجديد، ممن اعتقلوا خلال سنوات الرصاص، بقدر ما كانت المعاملة أشد قسوة، كما لو أنهم متورطون في جرائم تهدد أمن المغرب وقلب النظام، والحال أن مجموعة بنوهاشم اعتقلت قسرا، بسبب آرائها وأفكارها ليس إلا.
بقي هؤلاء رهن الاختطاف، ولم يقدموا إلى المحاكمة كباقي رفاقهم، الذين نقلوا إلى السجون العلنية، قبل أن يحاكموا في يناير 1977. يقول قونسي “والأغرب في الأمر، أن رفاقي الرحوي وبنوهاشم ونضراني حوكموا غيابيا خلال هذه المحاكمة رغم أنهم موجودون في المعتقل السري “الكومبليكس”، وذلك قصد إبعاد شبهة الاختطاف”.
بدت مؤشرات اختطاف عبد الرحمان قونسي في بداية 1976، حينما كان يتردد على منزله أشخاص غرباء، للاستفسار عن حياته اليومية، وهواياته وأنشطته الحزبية وميولاته. ولم يكن بوسع قونسي سوى المراوغة والهروب إلى الأمام، تفاديا لملاحقته، وتابع “أصبحت مراوغا بارعا في اختيار أوقات الاجتماعات في الرباط وغيرها، فمثلا ألجأ إلى أحد رفاقي بحي السويسي2، وبعد انتهاء الاجتماع أقفز من سور الحي، للالتحاق بالمعهد الوطني للإحصاء من أجل الدراسة. لم أكن أدخل من باب المؤسسة، لقناعتي أن هناك من يراقبني، ويتحين الفرصة للانقضاض علي، لكن حينما أقتحم جدران المؤسسة، أصبح في مأمن، لوجود مديرها ونائبه، الدكتوران شوقي بنعزو والراحل مصطفى بنيخلف، واللذان يتمتعان بقوة شخصيتهما، فضلا عن الاحترام، الذي يحظيان به من قبل السلطة، باعتبارهما أكاديميين بارزين”.
زوار الليل

مازال قونسي يتذكر لحظة اختطافه في حدود الثامنة مساء، وهو ممدد على السرير، لأخذ قسط من الراحة، لكن جرت الرياح عكس ما اشتهاه، فقد باغتته طرقات الباب العنيفة، ولم يكن الطارق سوى زوار الليل غير المرغوب فيهم والقادمون دون استئذان.
فتح عدد من ضباط المخابرات الباب، واقتحموا منزل قونسي ورفاقه جماعة، متسلحين بعضلاتهم المفتولة، ويتقدمهم العميد عبد القادر صاكا، شاهرا مسدسه، مهددا ومتوعدا، فأشبعوهم الركل والضرب واللكم في مختلف أنحاء الجسم.
يصمت قونسي قليلا، ثم يواصل حديثه “احتلوا المنزل، بعدما فتشوا أماكنه، وجمعوا كل أغراضنا، وتفننوا في تعذيبنا. وعندما طلب محمد الرحوي من أحدهم السماح له بشرب الماء، منعوه من ذلك، وقال له أحدهم أتريد كوب ماء؟ إن للماء ثمنه. لقد كان هؤلاء قساة حقا وساديين في تعذيبنا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق