fbpx
بانوراما

المسلمون المعاصرون حولوا دينهم إلى طوائف

” وكانوا شيعا”

يبحر بك الدكتور إدريس الكنبوري، في عالم الحركات الدينية المتطرفة، ويفكك البنيات الذهنية والسلوكية التي اعتمدت عليها في مقاربتها السياسية المبنية على القتل، من خلال ما خطه من تحليل دقيق في كتابه” وكانوا شيعا”، الصادرعن دار طوب بريس بالرباط نهاية 2016 .

إعداد: أحمد الأرقام

الحلقة الرابعة

عبادة الأشخاص والمذاهب
المسلمون المعاصرون حولوا دينهم إلى طوائف

إن القول بأن»الإسلام بريء من التطرف»، الذي يتكرر في كل مناسبة ينفذ فيها متطرفون مذابح وسط الآمنين، ليس كافيا للدفاع عن المسلمين في وجه الشكوك والاتهامات التي توجه إليهم في كل مكان، كأتباع دين متشدد يفرز متطرفين وقتلة، لأنه مجرد قول بلاغي خال من مدلولاته الواقعية على الأرض، ولذلك لم يعد يقنع أحدا اليوم.
ومن باب العدل والإنصاف القول بأن فكر التطرف وفقه التطرف في الإسلام لقيا محاربة لا هوادة فيها من لدن العلماء والفقهاء على مر التاريخ، إلى يوم الناس هذا، فليس الفقه الإسلامي كله فقها متشددا كما يروج البعض للنيل من الإسلام والمسلمين، كما أنه ليس جميع الفقهاء والعلماء في صف التطرف، ولكن عبارة «ليس كله» تعني أن هناك شقا متطرفا في الفقه الإسلامي، وهذا الشق للأسف هو الذي لقي رواجا طيلة العقود القليلة الماضية، بسبب التحولات السياسية وغير السياسية التي لا مكان للتفصيل فيها.
لقد حلت التيارات الفقهية محل الدين، ومع الزمن نسي الناس النشأة الأولى للإسلام وصارت المذاهب والمدارس هي الأصل، ولم يكلف أحد نفسه ـ إلا القليل ـ فريضة التنديد بهذا التوجه المنحرف والدعوة إلى الأصول الأولى للتدين كما أنزلت في القرآن وكما وضحتها السنة الصحيحة. وطيلة العقود الماضية ذهبت أصوات العلماء المصححين لهذا المسار سدى، بسبب غلبة الطباع التي تكرست عبر التاريخ، حتى أصبحت دينا احتل مكانة الدين، إلى حد أن كثرا ـ وللأسف الشديد ـ لم يعودوا يتعبدون لله، بل يتعبدون للأشخاص أو للمذاهب أو للتيارات، فتجدهم يستشهدون بآراء المشايخ ويقدمونها على الآية والحديث، أو يستشهدون بالآية والحديث فيغلبون قراءة المذهب والشيخ، فإذا سايرت الآية رأيه فبها ونعمت، وإذا خالفت تم تغليب رأي الشيخ بالتأويل. وقد غطت هذه الجوانب المظلمة في تاريخ الفقه على ما عداها، وهي الجوانب التي ركز عليها خصوم الدين لإظهاره كدين متشدد وغير إنساني؛ ولكن الحقيقة أن المتطرفين غلبوا هذه الجوانب المظلمة أيضا في ممارساتهم حتى أصبحت هي الإسلام في عيون الآخرين، فالمتطرفون وخصوم الدين سواء من حيث المنهجية، كلاهما يريد النيل من الإسلام والمسلمين؛ ذلك أن خصوم الإسلام أبرزوا تلك الجوانب المظلمة، والمتطرفون أخرجوها إلى التنفيذ.
منذ قرون خلت توقف الإسلام عن أن يكون دينا قادرا على إنتاج حضارة، وأصبح على العكس من ذلك مرتبطا بكل أشكال التخلف الحضاري، والسبب في ذلك انكماش المسلمين داخل شرنقة المذاهب الضيقة، وتغليب المذهب على العقيدة. والمعادلة واضحة ولا تستدعي كثير عناء: فقد كان المسلمون قادرين على إنتاج الحضارة عندما كانوا يعيشون في مجتمعات تعددية ومتسامحة تعتبر المدارس الفقهية فضاءات تعكس حرية الانتقال لدى المسلم بينها دون قيد، وخرجوا من الحضارة عندما أصبحت هذه المدارس الفقهية سجونا تخنق أنفاس المسلمين وتفرض عليهم الانتصار لأحدها على حساب الآخر، لذلك كان من الطبيعي أن يولد العنف، ولدينا في مثال الحنابلة والأشاعرة في القرن الخامس الهجري خير مثال. وليس هناك اليوم مسلم واحد يستطيع أن يتفاخر بما أنجزه المسلمون في العصور الحديثة، لكن هناك الملايين ممن يتفاخرون بما أنجزه الأسلاف الذين توقف عندهم خط التطور الحضاري، بعدما حول المسلمون المعاصرون الإسلام إلى خنادق أو طوائف.

إحداث ثورة دينية

يحتاج المسلمون اليوم إلى إحداث ثورة دينية حقيقية، تقتلع فقه التطرف والقتل والكراهية تجاه الآخرين، وتنتصر لفقه التسامح والتعايش، وهما فقهان يتجاوران داخل نفس الكتب الفقهية التي ورثناها عن الماضي، بل داخل نفس الكتاب لنفس الفقيه. ذلك لأننا ننظر اليوم إلى الفقه بمثل ما ننظر إلى التنزيل، ولا نربط بينه وبين سياقاته الاجتماعية والسياسية التي ولد فيها، بل نعتبره إنتاجا متعاليا تعالي النص القرآني المعصوم، وهو ما انتهى بالكثيرين إلى تقديس الفقهاء وأتباعهم كما لو أنهم مرسلون، لا بشر يصيب ويخطئ، وينسحب عليه ما ينسحب على البشر من التعصب والغرور والخطأ والهوى والتزمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى