fbpx
بانوراما

معسكر لحفظ القرآن في “أكدز”

أبو حفص… عودة الابن الضال

“عودة الابن الضال”، ليس عنوان فيلم مصري برر هزيمة القيادة المصرية في حربها مع إسرائيل في 1967، وإنما يختزل في معناه الخالي من كوليسترول السياسة، القدرة على مراجعة المواقف والآراء وشجاعة الاعتراف بالخطأ، وكذا العودة إلى الصواب. محمد عبد الوهاب رفيقي، الملقب بـ”أبي حفص”، أحد كبار شيوخ السلفية، الذي تجرأ على طرح الأسئلة الصعبة، وتمرد على واقع عاش فيه لسنوات، وكرس لتجربة حقيقية في المراجعات الفكرية، انتهت إلى تغيير في المواقف، هز آخرها الأرض ولم يقعدها، حول المساواة في الإرث.

الحلقة الأولى

ولدت في البيضاء، تحديدا حي بوركون، نشأت في أسرة محافظة، متوسطة الدخل، استفدت من عمل والدتي، التي كانت مستخدمة في شركة الخطوط الجوية الملكية المغربية “لارام”، ما أتاح لي السفر إلى مناطق مختلفة من العالم في سن صغيرة، فيما والدي كان تقنيا في وزارة الصحة.
حرص والدي على تربيتي وفق الطريقة التي تتلاءم مع البيئة المحافظة التي نشأت فيها، ورغم أنني الابن الوحيد، فإن طريقة التربية طبعت بموجة التدين الطاغية خلال بداية الثمانينات، التي كانت سلفية متأثرة بالمد الوهابي، لكن الأثر الكبير على السلوك التربوي لدى الوالد، ظهر بعد رحلة الحج، ولقائه بالدكتور تقي الدين الهيلالي. أحد كبار العلماء وشيوخ السلفية المعاصرة بالمغرب.
هذه العلاقات ساهمت في تشكيل معالم نشأة متدينة، سلفية نوعا ما، ذلك أن الوالد كان مرتبطا بعلاقات وطيدة آنذاك بالحركات الإسلامية، سواء الجماعة الإسلامية التي تحولت في ما بعد إلى الإصلاح والتجديد، والعدل والإحسان وغيرها من التيارات. عشت وسط هذه الأجواء بتفاعلاتها المؤثرة، التي ساهمت في تكوين شخصيتي في ما بعد. عاش والدي في صغره يتبما وحرمانا منعه من أن يحقق أمنيته في حفظ القرآن الكريم، رأى في ابنه الوحيد سبيلا لتحقيق ما ضاع منه، فقرر بكل وسيلة لتحقيق حلمه، ولو كان ذلك على حساب الطفل… على حساب عواطفه ومشاعره تجاه ابنه… على حساب أمه التي ليس لها غيره…
اصطحبني إلى مناطق متعددة من أجل تحقيق حلمه، فكلما سمع عن مدرسة قرآنية هنا أو هناك، إلا وأخذني إليها من أجل تعلم القرآن وحفظه. حملني وعمري عشر سنوات من وسط بوركون بالبيضاء، بعيدا عن أمي إلى تخوم زاكورة بالصحراء … هناك بـ”تمكسلت”، قريبا من أكدز، في موسم جاف جدا. ليس بوادي درعة الكبير قطرة ماء، ولا على النخل المحيط به تمرة واحدة، لا استوعب إلى اليوم كيف تحمل جسدي الصغير حرارة الشمس، التي لم أعرفها من قبل، ولا كيف استطعت التكيف مع طعام بدوي لا عهد لي به، بل ما زلت أستغرب حتى الآن، كيف لطفل في تلك السن أن يواكب برنامج الحفظ الذي سطره “سي لحسن”. لم يكن أبي يواجه مشكلا في تركي بالمدرسة القرآنية طيلة عطلة الصيف، بالنظر إلى أني وحيد والدي، فبالنسبة إليه، كان الهدف أسمى ومقدسا، لا يدخر في سبيل تحقيقه أي جهد، غير أنه كان مصرا في الوقت نفسه، على أن أواصل مساري الدراسي في المدارس العمومية، بل وأتفوق فيه. كنت أقضي العطلات في المدارس القرآنية، وحتى أيام الدراسة العادية، كانت مقسمة بين الكتاب والمدرسة العمومية، بينما تأتي السفريات إلى الخارج، التي تحدثت عنها سابقا، كنوع من المكافأة على المجهودات التي كنت أبذلها في الدراسة، وهو جهد خارق وغير طبيعي بالنسبة إلى طفل، يمضي ساعات اليوم منذ الاستيقاظ إلى غاية النوم، في التحصيل والدراسة.
بدر الدين عتيقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى