fbpx
افتتاحية

عبث تشريعي

 مرة، قال ونستون تشرشل، رئيس مجلس الوزراء الإنجليزي، وسط ضجيج الحرب العالمية الثانية: «خير لنا أن تخسر بريطانيا الحرب، ولا أوقف تنفيذ حكم قضائي»، في رد على الداعين لعرقلة تنفيذ حكم لصالح مؤسسة تعليمية قضى بنقل مطار حربي، لأنه يحول دون تركيز الطلبة على دراستهم.

ومرة ثانية، اجتهد نواب العدالة والتنمية في تعديل «المادة 8 مكرر» من قانون المالية التي تقضي باستثناء الدولة والجماعات الترابية من مسطرة الحجوزات والتنفيذ الجبري لصالح المواطنين والمقاولات.

شتان بين قدسية القانون والعدالة عند تشرشل، ونواب أخذتهم العزة بالإثم تحت القبة، فأفتوا لمؤسسات الدولة بتحقير الأحكام القضائية، في خرق سافر للدستور.

لقد كشف نواب «المصباح» سوء إدراكهم لطبيعة الممارسة الديمقراطية تحت قبة البرلمان، وشرودهم خارج سياق الدفاع عن المساواة، وسوء تقديرهم للقوة العددية، إذ لا يعني الفوز بأكبر مقاعد البرلمان التجبر وخرق كنه الدستور، والدفاع عن مصالح ضيقة جدا.

يؤمن نواب «بيجيدي»، في كل قراراتهم وتصريحاتهم أن الباطل لا يأتيهم، واعتبروا «المادة 8 مكرر» انتصارا دفع رئيس فريق حزبهم البرلماني إلى البحث عن تبريرات لمواجهة الحقوقيين، والقفز على خطورة التعديل بالمس بمبدأ فصل السلط، وخرق دستور 2011.

ببساطة شديدة، تعبر المادة الثامنة مكرر عن منطق انتخابي ضيق، وتنكر لأبسط قواعد التشريع، وإجهاز على دستور يفتخر المغاربة بنصوصه المتقدمة جدا، ويكفي لـ «عباقرة» العدالة والتنمية الاطلاع على الفصل السادس منه الذي يشير إلى أن القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع سواسية أمامه وملزمون بالامتثال له. لكن ما سر تمسك نواب «بيجيدي» بهذا العبث التشريعي؟

يكمن الجواب في طريقة تدبير الحزب لمفهوم الأغلبية، فقد أسفرت الانتخابات الجماعية الأخيرة عن تولي الحزب المسؤولية الأولى في المدن الكبرى، ووجدوا أنفسهم أمام أزمات ومشاكل في التسيير، ولحلها اختاروا طريقا سهلا بوقف تنفيذ الأحكام القضائية ضد المجالس المنتخبة التي تكلف الملايير، عوض احترام المؤسسات تعهداتها أمام المواطنين والمتعاملين معها، ناهيك عن قناعتهم «المستترة» بأن أحكام القضاء تشكل عائقا أمام طموحاتهم، ويكفي تأكيد ذلك بالأحداث التي شهدها صراع عمدة البيضاء وعائلة الشعبي حول سوق الجملة للخضر والفواكه القديم.

إن استمرار نواب حزب العدالة والتنمية في الدفاع عن تعديل المادة إهانة لأحكام القضاء، وتحقير للدستور، واستفراد بالتوافقات السياسية تحت القبة البرلمانية، ومس بأحد حقوق المواطنة، وتكريس للهيمنة بمنطق الحزب الأغلبي، بل أكثر من ذلك «فضيحة أخلاقية وسياسية»، ف «الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع»، والدستور يحث السلطات العمومية على تنفيذ الأحكام، لا تحقيرها.

تشرشل وقف شامخا يدافع عن تنفيذ الأحكام القضائية، فصنف ضمن القادة السياسيين الكبار، لكن نوابا في مغربنا لا يكتفون بالسقوط في الخطيئة، بل يتشبثون بها، ويرفضون كل حبال النجاة لإنقاذ البلاد من الغرق، في سلوك سياسي يحتاج إلى أطباء نفسيين لفهمه.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى