fbpx
افتتاحية

مصاصو دماء

الأخبار القادمة من الأسواق وبعض المساحات التجارية الكبرى لا تسر فقيرا ولا غنيا، وتنبئ برمضان ملتهب سيأتي على ما تبقى من قدرة شرائية تعرضت، خلال خمس سنوات الماضية، لضربات موجعة.

منذ أسبوع، انسحبت الدولة وأجهزة الرقابة وحفظ الصحة ومراقبة الجودة والتهريب من فضاءات التسوق وأسواق الجملة والتقسيط وتركت مكانها لمصاصي الدماء والسماسرة والمضاربين، الذين يخرجون من جحورهم في مثل هكذا مناسبات لملء خزائنهم بملايين الدراهم والاختباء في انتظار فرصة أخرى.

فجأة، ارتفعت أسعار المواد الأكثر استهلاكا في رمضان إلى مستويات قياسية، وحطمت أثمنة الخضر والفواكه والأسماك واللحوم والبيض والتمور ومواد صنع الحلويات والتوابل والفواكه الجافة جميع التوقعات، ووجد المواطنون أنفسهم رهائن في سفن قراصنة يبحرون بهم في المجهول. قراصنة يوجهون بوصلة العرض والطلب حسب هواهم، ويكيفون لوائح الأسعار حسب أمزجتهم ومصالحهم الذاتية، دون رادع أو وازع ديني أو أخلاقي يفرضه مقام هذا الشهر المبارك، شهر المكارم والغفران.

فلا شيء يبرر ارتفاع أسعار الخضر إلى أكثر من 220 في المائة، مقارنة مع الأسعار السابقة، إذ بحت حناجر التجار الكبار بأسواق الجملة بأغلب المدن، وهم ينبهون إلى الفرق الصارخ بين ثمن الجملة، وبين الثمن النهائي الذي تباع به للمستهلك.

إن الأجهزة التي لا تنصت إلى مثل هذه التنبيهات ولا تتجه إلى معرفة مواطن الخلل وتحديد أسباب التفاوتات الكبيرة بين سعر الجملة وسعر التقسيط، أجهزة لا يمكن إلا أن تكون متواطئة مع جيوش السماسرة وأصحاب «الشكارة» والوسطاء، الذين يبيعون الهواء والكلام ويتقاضون عليه أموالا باهظة على حساب جيوب البسطاء. هذه الأجهزة ينبغي أن تفكك، وأن يوضع مسؤولوها بالسجن، وذلك أضعف الإيمان، حتى يكونوا عبرة لكل من سولت له نفسه امتصاص دماء المغاربة وابتزازهم في غذائهم اليومي.

وليس الوسطاء والمضاربون و«الشناقة» والمحتكرون وحدهم من يتحكم في الأسواق في بدايات رمضان، فهناك أيضا المهربون ومروجو السلع الفاسدة والبضائع غير المراقبة من مصالح الجودة والاستهلاك، الذين يستغلون ارتفاع الطلب على المواد الغذائية والأساسية ليعيثوا فسادا على حساب صحة المواطنين وسلامتهم.

فما يجري منذ أيام، جريمة لا تغتفر، تسائل الحكومة أولا، والوزير المكلف بالشؤون العامة والحكامة الذي فشل في ترجمة الإجراءات والتدابير الاستباقية على أرض الواقع، كما فشل في فرض القانون على عدد من التجار ومراقبة الأسواق وتداول الأسعار والمواد وتفعيل دور اللجان المحلية والإقليمية والجهوية وتعزيزها بالموارد البشرية والمالية واللوجستيكية الأساسية.

فلا يكفي أن نضع هاتفا أخضر رهن إشارة المواطنين للتبليغ عن حالات الزيادة في الأسعار والمضاربة وترويج المواد الفاسدة، بل ينبغي أن تتبع ذلك إجراءات زجرية ومتابعات قضائية ضد المخالفين للقانون، سواء من قبل التجار، أو لجان المراقبة المتقاعسة.

إن ما يجري خلال هذه الأيام جريمة في حق مواطنين عزل لا حول لهم ولا قوة أمام جبابرة همهم الوحيد جمع المال على حساب الضعفاء. أما سكوت المسؤولين على إنفاذ القانون فله تفسير واحد وأوحد، وهو التواطؤ.

فإلى متى سيظل الوضع هكذا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى