ملف الصباح

الدخول المدرسي..ضربة قاضية لميزانية الأسر

من دوامة مصاريف العطلة الصيفية ونفقات رمضان وملابس وحلويات عيد الفطر إلى معمعة الدخول المدرسي

شهر واحد اجتمع فيه ما تفرق في غيره من أشهر السنة. شهر غشت هذا العام كان ضيفا ثقيلا على أغلب الأسر المغربية. كيف لا وهو الذي لَمّ كل الضيوف ثقال الدم. ففي هذا الشهر تغادر نسبة غير هينة من الأسر المغربية “أعشاشها” باحثة عن شاطئ أو غابة أو جبل… تقضي به عطلة الصيف بعيدا عن روتين أحد عشر شهرا من الكلل والركض وراء لقمة عيش ومصاريف حياة لا تزداد إلا سمنة.. وما أن فرغ أرباب الأسر من التفكير في سبل تدبير ميزانية العطلة، حتى حل رمضان الكريم الذي تخلص من طابعه التعبدي وصار موعدا للتعبير عن كل الرغبات النهمة والشرهة. ففي شهر رمضان تنفق الأسر المغربية أضعاف ما تنفقه طيلة السنة بأكملها، في أطباق تؤثث الموائد وينتهي معظمها إلى القمامة…وكأنها شعب حرم من اللقمة ولم يجد إليها طيلة العام سبيلا.
وما أن تكاد معركة الإنفاق النهـم تضـع أوزارها حتى يلوح في الأفق عيد الفطر بطلعته السـارة والمبشرة…والمرتفعة الكلفة. فمن دوامة نفقات أطباق رمضـــان اليومية، إلى ملابس العيـد للأطفــــال وهداياهم وملابس الزوجة ومصاريف حلويات العيد وشتى “شهيواته” وعندما يخيل إلى معيل الأسرة أن “المناسبات” التي تجفف الجيوب قد ولت وأنه آن الأوان لاسترجاع الأنفاس والتقاطها، يباغته قمقم مصاريف الحياة فاغرا فاه ومفسحا المجال لمارد يعقد لكمته ليوجه ضربته القاضية للميزانية المستنزفة والجيوب “المثقوبة”، مارد اسمه الدخول المدرسي، ينسي المرء كل اللحظات الطيبة التي قضاها بمصطاف أو قرية أو جبل… ويرمي به في دوامة أقلام الرصاص والحبر الجاف والعجين والخشيبات والمساطر والأغلفة والدفاتر ذات المربعات الكبيرة والصغيرة والمقررات الكثيرة وألوانها الأخاذة (ومضامينها الفارغة) والمحفظات ورسوم التأمين ورسوم التسجيل …  
ولم تجانب العرب الصواب، قيد أنملة، يوم خلدت قولها المأثور “المصائب لا تأتي فرادى”، وهذا حال الأسر المغربية مع الدخول المدرسي الذي لم تعد تفصلنا عنه إلا بضعة أيام.
يأتي الدخول المدرسي في أعقاب شهر من الإسراف والإنفاق أنهك ميزانيات الأســر المغـربيـة، والكلام عن المحدودة ومتوسطـة الدخــل، أمـا الأســــر الثريـة فالحـديث بالنسبــــــة إليها عن دوامــة مصاريف الحياة، وفي مقـــدمتها الدخول المدرسي، يعد ترفا “لا طائـل من ورائه”…ولا حتى من أمامه.
في شهــر شتنبر، من كل سنة تقريبا، يتكرر طرح سؤال وحيــــــــــد “ماذا تبقى للدخول المدرسي؟”.
كيف لا وغــــــالبية الأســـــر، على الأقل المسجلة في أسلاك الوظيفـــــــــــــة العمومية أو القطاع الخاص، صــــــارت تلجـــــــــــأ لحل اسمه “قروض الاستهـــــــلاك” لتغطيـــــــة مصاريف قضاء العطلة الصيفية، والاستعداد لشهر رمضان، وإن لم يكف قرض واحد، فلم لا الاقتراض مجددا لاقتناء ملابس العيد للأطفال…
بجيوب فارغة وديون كثيرة يستعد آباء وأولياء التلاميذ لخوض الجولة الرابعة من مباراة “الاستنزاف الشامل”، فإما يلجؤون إلى قرض استهلاك جديد، أو يبادرون إلى بيع أثاث البيت وأوانيه، لتغطية جزء يسير من مصاريف الدخول المدرسي.
بالكاد يتمكن أرباب الأسر المغربية من مجابهة نفقات المقررات والأدوات الدراسية…أما الحديث عــن مــلابس جديدة للأطفــال بمناسبة الدخــول فإنه مسطر في خانة الكماليات التي تستقيم الحياة بها أو من دونها.
الغلاء يعصف حاليا بكل مناحي الحياة وامتد ليطال حتى حقيبة أو محفظة الدخول المدرسي ولا يجد له المرء من مبرر غير الإشارة إلى إن ريكاردو وسميث (من منظري الاقتصاد الليبرالي) قالوا يوما إن لاقتصاد السوق منطقا بسيطا يقضي بأن العرض محكوم بالطلب، وعكس الآية صحيح لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفهما…الدولة تبنت سياسات كثيرة للتشجيع على تمدرس الأبناء، لكنها أهملت وتناست أن الغالبية الساحقة من الأسر المغربية لا قِبل لها بنفقات لا تزداد إلا تضخما عاما بعد عام.
مأساة الأسر المغربية ليست في مصاريف الحياة المتنامية بشكل متوحش لوحدها، بل أيضا في عدد أطفال كل أسرة على حدة. فكيف لأسرة من خمسة أو ستة أطفال أن تقدر على تحمل نفقات تمدرسهم؟ ومن ثمة تجدهم يلطمون وينحون، أولئك الذين يدعون السهر على قطاع التربية والتكوين، وهم يتلون التقارير الصادمة حول “الهدر المدرسي”، أو عدم التمدرس أصلا.
وتيرة المصاريف المتصاعدة لا تترك للأسر غير الالتجاء في الغالب الأعم لما يندرج في خانة المعاملات الربوية أو الاقتراض. وهو ما غذى في السنوات الأخيرة نمو قطاع قروض الاستهلاك بشكل مستعر… من مصاريف رمضان والعطلة الصيفية مرورا بالعيد والدخول المدرسي وانتهاء، ربما، عند أضحية العيد.   
بوعزة خراطي، رئيس الجمعية لحماية وتوجيه المستهلك، أكد في تصريح لـ”الصباح” أن عدد شركات قروض الاستهلاك بلغ حاليا قرابة الأربعين شركة. رقم يكشف حجم الاستنزاف الذي تتعرض له جيوب المغاربة المغلوبين على أمرهم…هذه الشركات تقرضك كل ما ترغب فيه، وبشروط أداء “ميسرة جدا”، لكن بنسب فوائد عالية لا تكشف عنها..
وهو أمر دفع خراطي إلى التحذير من ممارسات هذه المؤسسات ودعا إلى حظر تمرير وصلاتها الإعلانية على شاشات الإعلام العمومي، على غرار منع الدعاية للتبغ والكحول. ويعتبر خراطي أن هذه الدعاية تفتح الباب للمستهلك المغلوب على أمره ليكون فريسة سهلة المنال، في حرب يبدو أنها لا تبقي ولا تدر.

محمد أرحمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق