افتتاحية

بدون رصيد

عندما يتحدث أهل الاختصاص في العلوم السياسية يشددون على أن كل مؤسسة دستورية لا بد أن تقوم على دعامتين أساسيتين، شرعية انتخاب تنفذ أحكام صناديق الاقتراع، وشرعية إنجاز تقاس نسبتها بمدى استفادة الدولة والمواطنين منها.
وبغض النظر عن الجانب الانتخابي يبدو أن رصيد برلماننا من حيث الإنجاز شبه منعدم، على اعتبار أن 515 برلمانيا، بجمع أعضاء الغرفتين، وبتكلفة مالية تتجاوز 2.5 مليار درهم سنويا، لم يكن في مستوى المهام المطلوبة، سواء في ما يتعلق بسن القوانين، أو بمراقبة عمل الحكومة.
لم تنجح مؤسستنا التشريعية، خاصة مجلس النواب إلا في مهمة وحيدة، وذلك عندما صححت تفسير “بيجيدي” لمسألة الحصول على الرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية، وحسمت عملية انتخاب رئيس الغرفة الأولى في موضوع تشكيل الحكومة، واضعة حدا لمسلسل بلوكاج سياسي كاد يجبر البلاد إلى عودة غير محسوبة العواقب إلى ما قبل 7 أكتوبر 2016.
وفي موضوع مراقبة الحكومة اختلت الموازين، وعطلت الحسابات السياسية قنوات أهم أدوار البرلمان. فكيف يعقل أن يكون الفريق البرلماني لحزب رئيس الحكومة أقوى المنتقدين لقانون المالية، رغم أنه يفترض فيه المشاركة في إعداده، في حين وجد الحلفاء أنفسهم يدافعون عن وثيقة يرفضها الحزب “الحاكم”.
من حق المعارضة أن تستغرب وهي تتابع مجريات حروب باردة بين أحزاب التحالف الحكومي، بذريعة أن كل واحد يجتهد لفرض مقتضيات برنامجه و إبراز القطاعات التي يتولى حقائبها، من خلال الحرص على أن تكون بصمته حاضرة في الوثيقة التي يفترض أنها ترسم خارطة تنزيل العمل الحكومي.
لم ينس “بيجيدي” بعد تشنجات خريف انتخابي لا علاقة لها بالمحددات الإيديولوجية، ودخل في عراك سياسي بذخيرة انتخابية، يهدد الحكومة الجديدة ويرهن مستقبلها وقد يتسبب في سقوطها بانفراط عقد الأغلبية كما حصل في الولاية السابقة، وسنجد أنفسنا مضطرين إلى انتظار تقارير المجلس الأعلى للحسابات، علها تشفي غليل المغاربة في مراقبة صرف المال “السايب”.
أما بخصوص إنتاج القوانين فالحصيلة كارثية، على اعتبار أن مجلس النواب استحق منذ زمن لقب غرفة التسجيل، على اعتبار أن من يصنع القوانين عندنا ليس النواب ولا حتى الوزراء، بل تكلفت الأمانة العامة للحكومة بالمهمة، إذ لم يجد إدريس الضحاك الأمين العام السابق بدا من الرد على وزيرة غاضبة من التأخر بأن الأوراق التي أرسلت إليه ليس فيها من القانون إلا العنوان، وأن كتابة القانون ليست بالسهولة التي تظنها، لأن ما قامت به لا يمكن أن يوصف إلا بكتاب خواطر ومتمنيات.
إن الإشكال الحقيقي الذي نواجهه هو عطالة مؤسسة البرلمان في إنتاج القوانين، وإسناد هذا الاختصاص إلى غير أهله، أي السلطة التنفيذية و”الأمانة العامة للحكومة”، يضع المؤسسات الدستورية في ورطة أمام مبدأ فصل السلط، فإذا تغولت إحدى السلط على الأخرى اختلت الموازين وكانت النتيجة بدون رصيد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق