خاص

400 قاض أسسوا جمعية مهنية بالهواء الطلق

 منع  منحهم شرعية الجمع العام ووضع المسؤولين عنه في موقف حرج

لم يستسلم القضاة الراغبون في إنشاء جمعية مهنية، لقرار المنع الذي ووجهوا به من قبل إدارة المدرسة الوطنية للصناعة المعدنية، ولم يزدهم المنع إلا إصرارا على المضي قدما في تحقيق حلم راودهم منذ 11 مارس الماضي، تاريخ إنشاء  صفحتهم الإلكترونية في العالم الافتراضي، التي ابتدأت فكرة لتصبح حقيقة ساهم في إنجاحها حوالي 400 قاض، حضروا الجمع العام

التأسيسي في الهواء الطلق، من محاكم الحسيمة والشاون وتاونات والناظور وصفرو وفاس وسطات والبيضاء…  ولم تثنهم حرارة الشمس الحارقة عن عزيمتهم، قضاة نادي أعضاء المغرب وضعوا السبت الماضي أول حجر أساس في مسارهم الجمعوي وأكدوا أنهم عازمون في مواصلة النضال.

الساعة تشير إلى التاسعة والنصف صباح السبت الماضي، حشود من القضاة يتوجهون صوب المدرسة الوطنية للصناعة المعدنية، وبالقرب منها يستوقفك أعضاء اللجنة التنظيمية، لمنح بادج المؤتمر أو الصحافة وتسجيل الحضور. قد يبدو الأمر غريبا في الوهلة الأولى، ما الدافع وراء وقوفهم هناك هل هي الحماسة الزائدة أم شيء آخر، وما إن تستفسرهم عن ذلك حتى تظهر حقيقة الأمر أنه المنع الذي فوجئوا به في آخر لحظة ليلة الجمعة الماضي بعد أن أخبروا من قبل المسؤولين في المدرسة بعدم منحهم قاعة المحاضرات رغم العقد المبرم . نزل الخبر كالصاعقة على أعضاء اللجنة التنظيمية وفهموا من خلاله أن جهة ما تبعث رسالة، وكانوا بين خيارين إما تأجيل موعد الجمع العام، أو عقدهم ولو بالهواء الطلق، وهما أمران أحلاهما مر، إلا أن أعضاء اللجنة التنظيمية وحتى يكونوا في مستوى ثقة باقي القضاة الذين تكبدوا عناء السفر من جميع محاكم المملكة، قرروا عقد الجمع العام في الهواء الطلق.

رب ضارة نافعة
بالقرب من المدرسة الوطنية للصناعة المعدنية قررت اللجنة التنظيمية افتتاح الجمع العام التأسيسي بكلمة ألقاها ياسين مخلي مؤسس النادي على موقع الفيسبوك، شرح من خلالها أسباب المنع غير المبررة من المدرسة التي جاءت في آخر لحظة، وعدم وجود مخاطب من المدرسة لشرح ملابسات الحادث رغم أن أعضاء اللجنة التنظيمية قاموا بجميع الإجراءات القانونية، التي تخول لهم حق تأسيس جمعية مهنية وفق ظهير 1958، وتم إخبار الحضور بأن الجمع العام سينعقد في الهواء الطلق وانه نظرا للظروف الخاصة سيتم التصويت على القانون الأساسي دون مناقشة فصوله وإرجاء إجراء أي تعديلات في الموضوع إلى اجتماع آخر، وهو الملتمس التي استجابت له الهيأة القضائية برمتها، وشكل أول نقطة إيجابية في مسار الجمع العام.
لتنطلق عملية الترشيح للأجهزة،  رئيس النادي وهي العملية التي شهدت ترشح 9 أعضاء، وأعضاء المجلس الوطني وأعضاء المكتب التنفيذي،  تلتها عملية التصويت التي استمرت إلى حدود الساعة الثانية زوالا ليقفل باب التصويت وتنطلق عملية الفرز.

مؤسس النادي يحظى بالثقة
على الساعة الثانية والنصف زوالا تم الإعلان عن الفائز بمنصب الرئيس والذي بم يكن سوى ياسين مخلي مؤسس النادي على الفيسبوك والقاضي بابتدائية تاونات، إذ حصد ما مجموعه 182 صوتا، متبوعا بمحمد عنبر رئيس غرفة بالمجلس الأعلى ب 74 صوتا، وهي النتائج التي لاقت استحسانا من جميع القضاة المشاركين في الجمع العام.
ومباشرة بعد ذلك ألقى رئيس النادي المنتخب كلمة أكد من خلالها أنه “طالما راودنا وراود أجيالا من القضاة سبقونا حلم  بناء تنظيم يكون ممثلا،  وجامعا، ومدافعا عن مصالح القضاة المادية والمعنوية، نؤسسه  بمبادرة تلقائية، وبإرادة ذاتية وجماعية، هذا الحلم الذي بدا صغيرا، وكانت أولى إرهاصاته،  تأسيس صفحة نادي قضاة المغرب على الفسيبوك، التي شكلت وسيلة للتواصل والنقاش بين القضاة في جميع مناطق المغرب، ونما الحلم شيئا فشيئا وساعد في إنضاجه المناخ الايجابي الذي أفرزته التحولات الديمقراطية الجارية في المنطقة،  والتي كان المغرب سباقا  للانخراط فيها بإرادة ذاتية، من خلال مسار قاده جلالة الملك حفظه الله وكان آخره ورش الإصلاح الدستوري والمؤسساتي الذي  كانت أهم حلقاته  المصادقة على الدستور الجديد الذي جعل من القضاء سلطة  مستقلة، ونص على حق القضاة في تأسيس الجمعيات والجمعيات المهنية”، وعرج في كلمته على أن استقلال السلطة القضائية ليس معناه انعزال القضاة عن محيطهم، بل المطلوب انخراطهم الايجابي في الشؤون التي تهم البلاد.

فاقد الشيء لا يعطيه
لم يعد للأسماء المستعارة المستعملة على صفحة النادي وجود خلال الجمع العام التأسيسي واستبدلت بالأسماء الحقيقية للقضاة الذين حضروا الجمع العام وشاركوا في عمليات التصويت، إذ بلغ عدد القضاة المؤتمرين ما يقارب 320 قاضيا، أدلوا بأصواتهم في العملية الانتخابية الفريدة من نوعها والتي كانت في الهواء الطلق، تعبيرا من القضاة عن حقهم في ممارسة جميع الحقوق الدستورية، فحسب رأي أغلبهم فالقاضي الذي يتنازل عن حقه لا يمكن  أن تأمنه على حقوق الآخرين، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
خلال عمليات التصويت كان القضاة المؤتمرون يجتمعون في حلقات دائرية يناقشون من خلالها الوضع الحالي، وقرار المنع وتداعياته والدعاوى التي يمكن أن يرفعوها ضد الجهات المصدرة للقرار، مناقشات تمحورت حول هل سيتمم الاكتفاء بدعوى واحدة؟ أم كل عضو من النادي سيقدم دعاوى بمفرده؟ بالنظر إلى الضرر الحاصل من خلال عدم  السماح لهم بعقد جمعهم العام وغيرها من الأسئلة الآنية التي تهم الشأن القضائي ووضعية القضاة، ورغم نجاحهم في عقد الجمع العام التأسيسي للنادي فإن نبرة حزن كانت تسيطر على أجوبتهم، فهم القضاة الذين  منحهم الملك شرف الإشراف على العمليات الانتخابية ونتائجها، وهم الذين  يؤول إليهم أمر حل النزاعات يحرمون من حقهم الدستوري في تأسيس جمعية مهنية ليست لها أي أهداف سوى الرقي بالقضاء وبالقاضي، وقطع الصلة مع ممارسات يعتبرونها ساهمت في تكريس صورة نمطية عن القضاء وفي زعزعة ثقة المواطن به.

تاونات مهد النادي
لم يكن الكثير من المتتبعين لصفحة نادي قضاة المغرب على الفيسبوك، ولا حتى المنخرطين بأسماء مستعارة في بداية يعلمون أن ابتدائية تاوتات بمثابة الأم التي أنجبت النادي، فمؤسس الصفحة على الموقع الاجتماعي ليس سوى ياسين المخلي القاضي بابتدائية تاونات، رفقة مجموعة من زملائه من المحكمة ذاتها، لتنطلق التعبئة بين باقي قضاة المحكمة، والمحاكم القريبة، وتحمل محكمة تاونات التي تضم أزيد من عشرين قاضيا بالرئاسة وخمسة بالنيابة العامة، مشعل إنشاء النادي.

وصية المرحوم سعيد الزياني
لم ينس قضاة نادي قضاة المغرب وصية زميلهم سعيد الزياني التي بعثها إليهم على الصفحة الإلكترونية والتي تشرح أسباب عدم حضوه الجمع التحضيري للنادي قبل وفاته في حادثة سير. والتي ستظل منقوشة في ذاكرتهم حسب ما أكدوه خلال الجمع  “إخواني الأعزاء لقد سبق لي أن طلبت الاستيداع ومنح لي لمدة سنة، ابتداء من شهر يوليوز الحالي وأنا في طريقي الآن إلى بلجيكا وكان بودي أن أحضر هذا اللقاء النضالي لتحقيق مبتغانا ولكن الظروف لا تسمح لي. وغيابي عن هذا اللقاء ليس خوفا أو رفضا لاقتراحكم البطولي والأستاذ مخافي يعرف جيدا موقفي ويعرف سبب الاستيداع . والله اخجل للمستوى الدنيء الذي وصل إليه القضاة والذي كرس منذ زمان. والله حينما أرى شبابنا يدافع عن كهولنا أحس بعزة النفس وأحس بأن كرامة القاضي ستمنح لنا على أيديكم أيها القضاة الشرفاء، دام لكم العز والنصر، سيروا إلى الأمام”.

مساندة جمعوية
رغم أن أعضاء اللجنة التحضيرية  بنادي قضاة المغرب أرجؤوا خلال اجتماعاتهم دعوة الشخصيات العامة، إلى الجمع العام التأسيسي، إلى الندوة التي سيعلن عنها من طرف المكتب المنتخب من الجمع العام، شهد الجمع العام للسبت الماضي حضور مجموعة من المحامين والجمعيات الحقوقية التي قدمت الدعم المعنوي للنادي، كما تلقى أعضاء النادي اتصالا من رئيس جمعية هيآت المحامين بالمغرب عبر فيه عن مساندته لهم  وأعلن أنه دعا عقد اجتماع لمكتب الجمعية لمناقشة تداعيات الموضوع. خاصة أن أعضاء النادي يعتزمون مقاضاة الجهة التي تسببت في المنع، وربما تتحول الدعوى الافتراضية التي سبق لهم أن أقاموها على الصفحة الإلكترونية إلى أرض الواقع ضد الدولة المغربية بتهمة عدم تنفيذ الخطابات الملكية المتعلقة بالزيادة في أجور القضاة. والتي اعتبروا من خلالها أن عدم تنفيذ الدولة للخطب الملكية ألحق أضرارا مادية ومعنوية بالقضاة أعضاء نادي قضاة المغرب، والتمس الحكم بإلزام الدولة المغربية بتحسين وضعية القضاة المادية، وذلك باعتماد سلم الأجور الخاص برجال السلطة المحلية ابتداء من تاريخ 20/8/2009 تحت طائلة غرامة تهديدية قدرها 10 آلاف درهم عن كل يوم امتناع عن التنفيذ، مع ترتيب الآثار القانونية عن ذلك.

مخلي: القضاة يعيشون احتقانا داخليا حقيقيا
يرى ياسين مخلي، رئيس نادي قضاة المغرب، الذي انتخب السبت الماضي، في الحمع العام المنعقد بالهواء الطلق، أن فكرة إنشاء صفحة على الانترنيت جاءت بناء على ما تضمنه خطاب 9 مارس الماضي، ونتيجة الاحتقان الداخلي لدى القضاة بسبب غياب ممثل شرعي يتواصل مع القضاة.

بالنسبة إليكم كيف جاءت فكرة إنشاء صفحة النادي على الفيسبوك؟
مباشرة بعد الخطاب الملكي ل9 مارس الماضي، والإعلان عن تعديلات مهمة في الدستور، من خلال الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة جاءت فكرة تأسيس النادي على صفحة الفيسبوك من أجل بلورة أفكار وآراء القضاة حول عناصر وأسس بناء سلطة قضائية فاعلة، وذلك عن طريق خلق تواصل بين القضاة ونقاشات تعكس تصورات القضاة الحقيقية خاصة أن النقاش الذي كان دائر في العالم الافتراضي كان ناتج عن احتقانا داخليا لدى القضاة، وفي غياب ممثل شرعي تمثيلي للقضاة، على اعتبار أن الوداية الحسنية للقضاة التي تدعي أنها الممثل الشرعي والوحيد للقضاة تنهج قانونا أساسيا فيه تغييب للقضاة الشباب، بل إقصاء حقيقي فالترشح لرئاسة الودادية يتطلب أن يكون المرشخ قد قضى حوالي 30 سنة في العمل القضائي، أما بالنسبة إلى المكتب المركزي فذلك يتطلب 15 سنة وهو ما يشكل إقصاء حقيقي للقضاة الشباب رغم أنهم يمثلون الأغلبية في الجسم القضائي، والفكرة تبلورت من أربع قضاة بابتدائية تاونات ليصل العدد الآن إلى 600 قاض.

هل تقبل القضاة في البداية الخروج من العلم الافتراضي إلى الواقع العملي؟
كأي عمل هناك مؤيد ومعارض للفكرة وبعد إنشاء النادي وإيمان ثلة من القضاة بأفكاره انتقلت رفقة مجموعة من القضاة الذين يشكلون أعضاء اللجنة التنظيمية إلى التعبئة الميدانية، وقد ساعد في ذلك ما تضمنه الدستور الجديد الذي شكل فاتحة خير للقضاة الذي التقطوا إشارته وعملوا على بلورتها على أرض الواقع ، على اعتبار أن استقلال السلطة القضائية ليس معناه انعزال القضاة عن محيطهم، بل المطلوب هو انخراطهم الايجابي في الشؤون التي تهم البلاد، وبذلك فإننا نثمن التعديلات
السياسية والمؤسساتية التي افرزها الدستور الجديد، خاصة ما يتعلق منها بالسلطة القضائية، كما أننا نستشعر عظمة مهمة القضاء التي نمارسها، ودورها في زرع الثقة والآمان في المجتمع وفي استقرار المعاملات ودوره الجوهري في خلق مناخ الاستمرار وتطوير الاقتصاد، لذلك فان قضاة المغرب معنيون ومنخرطون في مسار تخليق مؤسسات القضاء بما يضمن الحياد الاستقلال والنزاهة والفعالية متمثلين للقيم للمبادئ والقيم القضائية كما هي متعارف عليها عالميا.

كريمة مصلي
(موفدة الصباح إلى الرباط)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق