خاص

بانوراما رمضان: أسرى حرب الصحراء… قصص تدمي القلب 5

محمد جيبو…. سقط أسيرا في معركة المحبس سنة 1979

مازال جسم جيبو “شاهدا” على التعذيب الذي تعرض له من قبل انفصاليي بوليساريو

جلهم مروا من مركز الروبيني، الكائن فوق التراب الجزائري، ذاق أغلبهم مرارة التعذيب بمختلف صنوفه. إنهم جنود وعسكريون مغاربة، سقطوا في قبضة الأسر من قبل شرذمة من انفصاليي جبهة بوليساريو. هناك من قضى أزيد من ربع قرن في الأسر، سنوات كلها معاناة، لكن رغم القواسم المشتركة بين الجنود الأسرى المغاربة، إلا أن لكل حالة خصوصيتها. مازال هؤلاء يحملون

ذكريات فلم تنفع نعمة النسيان في إسقاطها من ذاكرتهم، وبقيت المشاهد
والصور واللقطات عالقة في الأذهان. “الصباح” التقت بمجموعة من الأسرى، جالستهم ساعات طوالا، وتقاسمت معهم صفحة أليمة من تاريخهم، إلا أن العودة لم تضع نقطة نهاية لهذه المآسي، بل فتحت صفحة
أخرى، إنها معركة مستمرة بحثا عن الكرامة، وعن سبل العيش الكريم.

ذاق محمد جيبو المتحدر من منطقة الأطلس، مرارة الأسر قبل نهاية السبعينات. وجد نفسه يوم 14 أكتوبر 1979 في قبضة انفصاليين في منطقة المحبس، القريبة من الحدود الجزائرية من الناحية الجنوبية.
كان جيبو جنديا إلى جانب رفاقه في المنطقة المقابلة لمخيمات تندوف. حمل السلاح، وكله افتخار أن هذا بمثابة شرف للدفاع عن الوطن، وعن وحدته.
فبعد أن قضى ما يربو عن أربع سنوات في الخدمة العسكرية بالمحبس، يعتقد جيبو أنه راكم تجربة مهنية مشرفة، إذ سبق له أن شارك في مجموعة من المعارك ضد انفصاليي جبهة بوليساريو. يتذكر أنه عندما وقع صلح بين موريتانيا والانفصاليين، كيف ارتفع الدعم المخصص لهؤلاء، وعبدت الطريق لهم للحصول على الأسلحة والعتاد لمواجهة عناصر الجيش المغربي.
لا يجد جيبو أي وصف يطلقه على اليوم الذي اعتقل فيه، سوى أنه “يوم الجحيم”.
إذ دار صراع مرير بين الجيش المغربي وعناصر بوليساريو، واستمرت المعركة ثلاثة أيام، قبل أن تنتهي باعتقال مجموعة من الجنود من مختلف الدرجات العسكرية، “كان عددنا لا يتعدى 600، أما هم، فقد جاؤوا مدعمين بنحو 4 آلاف مسلح، ضمنهم جزائريون ومرتزقة، فأحاطوا بنا من خلال إقامة أربعة أحزمة”. بعد إطلاق النار، سقط عدد  من الجنود المغاربة، وتمكنت قلة قليلة من الفرار، فيما ألقي القبض على الباقي.
وحسب جيبو، فإن جثث جنود مغاربة بقيت في منطقة المعركة، إلى غاية بداية الثمانينات، إذ عثر عليها من قبل بعض الجنود، كما عثر على عظام كلاب ماتت إلى جانب أصحابها.   
المجموعة التي سقطت في أيدي انفصاليي بوليساريو ليلة 14 أكتوبر 1979 تتكون من 55 عسكريا، بعد أن استطاعت قلة قليلة الفرار، بسبب شدة المراقبة التي تضربها الجبهة على كل منطقة قامت بالهجوم عليها.
كان محمد جيبو، شأنه شأن باقي الجنود المرابطين في منطقة المحبس، على علم بالتحركات التي يقوم بها الانفصاليون، “لقد كانوا يتحركون بشكل غريب ولافت للانتباه، بل إنهم كانوا يستعدون لأي هجوم لمدة أزيد من شهر، يدرسون المكان بدقة عالية، ويستعملون أسلحة متطورة كانوا يحصلون عليها من دول المعسكر الشرقي سابقا”. وتحدث جيبو كذلك عن نوعية الأسلحة التي كانت تدعم بها ليبيا وسوريا انفصاليي بوليساريو.
نقل محمد جيبو وباقي الجنود الأسرى على متن شاحنة، مكبلي الأيادي، ومعصبي الأعين. إنها بداية معاناة لم تنته إلا بعد مرور أزيد من 24 سنة. شكلت منطقة الروبيني، البعيدة عن جنوب تندوف ب 24 كيلومترا،  نقطة وصول الجنود المغاربة، وبداية مرحلة الأسر. إنها عاصمة الاعتقال بامتياز. يحكي جيبو أنه قضى 24 سنة في هذا الجحيم، لم يتوقف عن القيام بالأشغال الشاقة من حفر الآبار، وصناعة الآجر، وتهييء الحقول وغيرها.
مازال جسم جيبو “شاهدا” على التعذيب الذي تعرض له من قبل انفصاليي بوليساريو. “كنا نضرب باستمرار بالعصي وبالأسلاك الكهربائية. ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، بل كان الأسرى المغاربة يُجبرون على التبرع بالدم عدة مرات، ودون مراعاة وضعيتهم الصحية. “فسوء التغذية، وكثرة الحركة، والجهد البدني الذي كنا نبذله خلال مزاولتنا الأعمال الشاقة، تجعلنا غير قادرين على التبرع بالدم الذي يطلب منا لإنقاذ حياة جزائريين”.
عاش جميع الأسرى المغاربة لحظات عصيبة، فالتعذيب والإهانة والتنكيل بالمغاربة بمختلف الأساليب كان “يتسبب في تأزم نفسيتنا، إذ كيف يعقل أن يتم اقتلاع ظفر أحدنا لا لسبب سوى أنه هتف عاليا بعبارة عاش الملك”. كانت هذه العبارة تنزل كالصاعقة على الانفصاليين والجزائريين، إذ لم يتمكن هؤلاء من انتزاع “حب الوطن وحب الملك من قلوبنا، فرغم الأسر، كنا نتابع عن كثب كل ما يقع في بلدنا. كنا نفرح كثيرا بفوز المنتخب الوطني المغربي في المباريات الرياضية. أما عندما توفي الملك الراحل الحسن الثاني، فكان ذلك يوما أسود في حياتنا كأسرى”. يتذكر جيبو كيف قضى رفقة زملائه أياما سوداء، بكاء وحزنا، “أما الأعداء، فكانوا يستهزئون منا، ويقول بعضهم إن الملك مازال في قلوبكم”.
مآسي أسرى حرب الصحراء عديدة لا تحصى، فمحمد جيبو، لم يذق طعم اللحم لأزيد من سبع سنوات، “كانوا يأكلون اللحم ويرمون لنا العظام، ننقض عليها كالكلاب”. من شدة الجوع، اضطر جيبو يوما إلى سرقة كيس خبز واقتسمه مع بعض الأسرى. انكشف أمره، وعوقب أشد عقاب.
تلقى جيبو مقابل سرقته الخبز، عقابا شديدا. حفر حفرة من نصف متر، حيث مكث 24 ساعة، لكن بعد أن تعرض لضرب مبرح بسلك كهربائي. لم يكن جيبو يتصور أن يخرج من هذه الحفرة حيا يرزق، فالأسير عمر فنيدي، الذي قال مرة، عاش الملك، وضع في صندوق حديدي، تحت حر الشمس (60 درجة)، وبقي فيه مدة إلى أن فارق الحياة.
عاش جيبو لحظات حزينة وسيئة، دامت أزيد من عقدين، إلى أن تدخل سيف الإسلام، نجل معمر القذافي، في إطار المبادرة التي قام بها الصليب الأحمر، ووافق على أداء كفالة مالية، “رافقنا في الطائرة التي أقلتنا إلى غاية مطار أكادير، ومنذ تلك اللحظة، بدأت معاناة من نوع آخر، معاناة الاستقرار الأسري و…”

نادية البوكيلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق