خاص

بانوراما رمضان: في رحاب الزوايا 5

الطريقة الحمدوشية… قبلة الاستشفاء من الأمراض النفسية

تعاظم نفوذ الزوايا بالمغرب، رغم التحولات التي عرفها البلد  في اللحظة المعاصرة، ما يؤشر على مدى تجذرها في المجتمع، والارتباط القوي للعديد من الناس بها.
وانتشرت الطرق والزوايا على فترات متلاحقة في المغرب، إلى درجة أنه لا تكاد تخلو منطقة، قريبة أو نائية، من زاوية تأوي ضريح ولي صالح، يشكل مزارا للعديد من الناس.

ولعبت الزوايا أدوارا معقدة، دينية(روحية)، ووطنية، (الجهاد ضد المستعمر)، ونفسية (البركة وطلب الاستشفاء من الأمراض).
ورغم التحولات التي عرفها المغرب، سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا، طيلة مراحله التاريخية المختلفة، فإن الزوايا شكلت مجالا لاستقطاب الزوار الباحثين عن الطمأنينة الروحية، من خلال التعبد، أو الراحة النفسية.
يقول «ميشو بيلير»، إن الطوائف الدينية اضطلعت بدور كبير في تاريخ الإسلام، خاصة في منطقة شمال إفريقيا، مشيرا، بهذا الخصوص، إلى تأسيس الدولتين المرابطين والموحدية، ومذكرا بوجود صعوبة في تحديد من كان وراء جلب المذاهب الصوفية إلى المغرب لأول مرة، انطلاقا من الشرق، مبرزا أن تلك المذاهب دخلت إلى المغرب ابتداء من القرن الرابع الهجري.
بمناسبة شهر رمضان ، تسلط « الصباح» الضوء على  أهم الزوايا المعروفة بالمغرب، والتي تستقطب أعدادا كبيرة من الناس، مع التركيز على سياقها التأسيسي، ومنهاجها التربوي والروحي…

انفردت الطريقة الحمدوشية  بطقوس ومواصفات تُميزها عن الطرق الأخرى المنتشرة بالمغرب، فهي ليست طريقة دينية صرفة،  تعتمد حصريا، على التربية الروحية، من خلال تلاوة القرآن، والأوراد، والأذكار، والصلاة على النبي،  بل امتزجت فيها  بعض الطقوس الدينية، بالشطحات الصوفية، والفولكلور الشعبي، وعلاج الأمراض، مما يوحي بحدوث انحرافات في الطريقة وقعت في مسارها التاريخي. تحولت الطريقة إلى قبلة للباحثين، أساسا، عن الاستشفاء من الأمراض النفسية، التي، غالبا ما تدخل، ضمن المعتقد الشعبي، في إطار ما يسمى بـ”المس”، مما يجعل الحمادشة، معالجين، بالأساس.
ورغم أن موسم سيدي علي بن حمدوش، يستقطب العديد من الزوار، إلا أن الطريقة لا تضم أتباعا كثيرين، على غرار الطرق  الأخرى الأكثر انتشارا.
وأسال موسم سيدي علي بن حمدوش، في السنوات الأخيرة، الكثير من المداد، بسبب ما تم  تداوله، في وسائل الإعلام الوطنية، من أخبار، على هامش احتفال الحمادشة بموسمهم، مثل ما يتعلق   بـ”حفل  الشواذ”، والذي يرى المهتمون، والغيورون على الطريقة، أن لا علاقة له بالزاوية أو الطريقة الحمدوشية.  
ويعتبر كتاب”الحمادشة: دراسة في طب النفس الإتني في المغرب”، الذي ألفه عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي، “فينسان كرابانزانو”، بناء على عمل ميداني أنجزه في نهاية الستينات من القرن الماضي، إحدى أهم الدراسات التي انشغلت بظاهرة الحمادشة في المغرب. ورغم مرور أزيد من أربعة عقود على إنجاز هذا العمل الميداني الذي أثار ضجة لدى صدوره في كتاب، إلا أنه ما يزال يحتفظ  بقيمته التاريخية.  
تذهب بعض الدراسات والمقالات، إلى أن”سيدي علي بن حمدوش”، لم يخلف تراثا مكتوبا، ولا طريقة بعينها، أو وصية لمريديه ، لكنه شكل مرجعا روحيا، لأتباعه، يستقون منه مبادئ وطقوس الطريقة. وأنشأ الأتباع، بعد وفاة شيخهم “سيدي علي بن حمدوش”، مجموعة من الزوايا في مختلف أنحاء المملكة المغربية.
وينتمي “الحمادشة”، في غالب الأحيان، إلى طبقات شعبية، ويغلب على ممارساتها مظاهر الغلو وجلد الذات، خاصة في ما يتعلق بطائفة “الدغوغيين”.
يشكل موسم الطريقة بسيدي علي بن حمدوش، بضواحي مدينة مكناس، أهم حدث تعيشه الطريقة، إذ تستقطب أعدادا متزايدة من الزوار، يقصدونها من مختلف مناطق المغرب. ويُطلق على مريدي الطريقة “الفقراء”، على غرار العديد من الطرق الصوفية الأخرى.  
حينما يتعلق الأمر بالطريقة الحمدوشية، هناك من يتحدث، بالخصوص، عن تراث شعبي خرج من عباءة الصوفية، إذ أن ما يميزها هو تنظيم عروض الرقص، على إيقاع العزف على الغيطة، والطبول، مع ترديد “الله حي”، و”الصلاة على النبي”، إلى جانب ترديد اسم “عيشة قنديشة”.  و تتخلل هذه العروض مظاهر الجذبة، وجلد الذات من طرف بعض الحاضرين، مما يُضفي على المشهد طابعا مهيبا. وغالبا ما تواكب حلقات الرقص والجذبة، عروض خاصة بالإستشفاء.  
ويؤكد “فينسان كرابانزانو، في مؤلفه الذي خصصه للحمدوشيين، أنه من زاوية تاريخية، لا نعرف الشيء الكثير عن حياة “سيدي علي بن حمدوش” و”سيدي أحمد الدغوغي”، إذ لم  يترك لنا  الوليان ، ولا خلفهما أو مريديهما أي كتابات عنهم، ورغم  أن أبناء سيدي علي بنحمدوش يتوفرون على وثيقة تشتمل على تاريخ سلفهم، أعدت، حديثا، من طرف علامة بفاس، إلا أن هذه الوثيقة ليست لها من الأهمية سوى أنها تؤكد ادعاءهم أنهم لا ينتمون فقط إلى سيدي علي، بل إلى مولاي ادريس، وهو ما يمنح لهم لقب الشرفاء. وتقول هذه الوثيقة إن سيدي علي يتحدر من مولاي عبد السلام بن مشيش، الذي هو نفسه شيخ الطريقة الشاذلية. وحسب الوثيقة نفسها، فإن سيدي علي أمضى عشر سنوات منزويا في ركن بجامعة القرويين بفاس يصلي الليل كله، ويصوم في النهار.  وتُضيف الوثيقة أنه ظل طيلة هذه السنوات منعزلا لا يتحرك، ولا يتحدث إلى أحد، وأنه كان يردد الشهادة 18 ألف مرة في اليوم. بعد ذلك، قصد  قرية بني راشد، على الواجهة الجنوبية لجبل زرهون، حيث كان قبلة للعديد من الزوار الذين كانوا يفدون إليه من مختلف أنحاء المغرب. كان يعجبه كثيرا حين يتحدث الناس عن النبي، وكان يُحرك رأسه من أعلى إلى أسفل، ثم يقوم لينخرط في الحضرة، وفي أوقات أخرى، كان يردد” الله، الله، الله الخالد، الله المعبود”. وكان رأسه يدور بالمعجزات. ما فتئ عدد مريديه يتزايدون، ولم يحد عن الطريق الذي اختاره إلى أن وافاه الأجل. وقصد كل من يقطن مكناس، ومولاي ادريس، والقرى الأخرى المجاورة لزرهون، بني راشد لحضور جنازته.
ويضيف الكاتب أننا نعرف مقدارا أقل عن حياة ” سيدي أحمد الدغوغي”، رغم أن بعض الأشخاص يقولون إنه ينتمي إلى “بني دغوغ”، من قبيلة دكالة.  ويُقال عن سيدي أحمد إنه كانت لديه ثلاث زوجات،إحداهن من بني حسن، والثانية من فاس، والثالثة من قرية بني عمار في جبل زرهون، وأنه خلف ذرية مع  نسائه الثلاث. وحسب خلف سيدي علي، فإن سيدي أحمد اختير من طرف سلفه من ضمن الزوار الذين حجوا إلى  بني راشد، ليصبح خادمه أو حتى عبدا له، وبحسب خلف سيدي أحمد، فإن سلفهم اختير ليكون تلميذا وصديقا لـ” سيدي علي”. ويحكى أنه حينما توفي سيدي علي، ضرب سيدي أحمد رأسه من شدة  اليأس الذي أصيب به، وتوفي بعد بضع سنوات، ودفن في قرية بني وراد، الموجودة في الجبل، على بعد كيلومتر ونصف من بني رشيد. ويتوفر أبناؤه، أيضا، على وثيقة ترجع أصله إلى النبي.

جمال بورفيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق