خاص

بانوراما رمضان: خواطر مسلم في المسألة الجنسية – الحلقة الرابعة –

لا قيد في المتعة الحلال

تنبع أهمية المسألة الجنسية، حسب محمد جلال كشك، من أنها تعكس من ناحية، مفاهيم وأخلاقيات الحضارة والتصور العام لهدف الوجود الإنساني، والعلاقات بين طرفي هذه المعادلة الإنسانية، ولذلك ركز في دراسته “خَواطِر مُسْلِم فِي المَسْألة الجِنْسِيّة” على الفارق الجوهري أو الكيفي بين النظرة الإسلامية للجنس، ونظرة المسيحية الغربية.  فكلتا النظرتان تمثل

موقفًا حضاريًا متكاملاً ومتعارضًا. كما ركز على دور المسألة الجنسية في المواجهة الحضارية، خاصة في القسم الخاص باللواط.

لا قيد في المتعة الحلال عندنا: يقول تعالى «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ.» ( المؤمنون5-7). 
والاتصال الجنسي عندنا يُثاب عليه قال صلوات الله عليه: “وفي بضع أحدكم صدقة ( أي في الجماع ) فقالوا: ” أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر… قال أرأتيم لو وضعها في حرام، كان عليه فيها وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر”. 
وذهب الكاتب إلى أنَّ تعدّد زوجاته عليه الصلاة والسلام، كان لإزالة هذا المفهوم الذي روجته الكنيسة عن كراهية الزواج، خاصة الزواج من المطلقة أو الأرملة، ولذلك كانت كل زوجاته، إلا واحدة، سبق لهن الزواج.
مضيفا أن الجنس عنصر أساسي في الزواج، بل وتتم به شرعية الزواج، وقال ابن القيم الجوزية: “والمودة بين الزوجين والمحبة بعد الجماع أعظم مما كانت قبله، والسبب أنَّ شهوة القلب ممتزجة بلذة العين، فإذا رأت العين، اشتهى القلب، فإذا باشر الجسمُ الجسمَ اجتمعت شهوة القلب ولذة العين، ولذة “مباشرة” “وفيه كمال اللذة، وكمال الإحسان إلى الحبيب، وحصول الأجر، وثواب الصدقة، وفرح النفس، فإن صادف ذلك وجها حسنًا، وخلقًا دمثًا، وعشقًا وافرًا، ورغبة تامة، واحتسابًا للثواب، فتلك اللذة التي لا يعادلها شيء، سيّما إذا وافقت كمالها، فإنَّها لا تكتمل حتى يأخذ كل جزء من البدن بقسطه من اللذة، فتلتذ العين بالنظر إلى المحبوب، والأذن بسماع كلامه، والأنف بشمّ
رائحته، والفم بتقبيله، واليد بلمسه، وتعكف كل جارحه على ما تطلبه من لذتها، وتقابلها من المحبوب”.
وبمقارنة هذا الإبداع في التنعّم بما أحلّ الله، وما يحققه الجنس مع الحبّ، بما يقوله الغزالي، في كراهية الجماع، بل وكراهيته الأشد للجماع بين المتحابين قال: “إنَّ العشق هو غاية الجهل” وتفسيره يعكس الكراهية المسيحية للجنس واللذة والحب إذ قال: “العشق هو غاية الجهل بما وضع له الوقاع، وهو مجاوزة في البهيمية لحد البهائم، لأن المتعشّق ليس يقنع بإراقة شهوة الوقاع، وهي أقبح الشهوات وأجدرها أنْ يستحى منه، حتى اعتقد أنَّ الشهوة لا تقضى إلا من محل واحد، والبهيمة تقضي الشهوة أين اتفق فتكتفي به، وهذا لا يكتفي إلا بشخصٍ واحد مُعيّن، حتى يزداد به ذلاً إلى ذلّ وعبودية إلى عبودية”.
وكيف هوى الفكر الإسلامي إلى هذا الحد وعند فيلسوف مثل الغزالي .. وأين هذا من حديث ابن القيّم، ووصفه للجماع بين المتحابين واعتباره قمّة النعيم والنعمة من الله.. وأنت ترى أنَّ شيخنا لا يُحَرّم عضوًا من لذّته، بل ويُقرّر: ” ومما ينبغى تقديمه على الجماع، ملاعبة المرأة وتقبيلها ومصّ لسانها”. وعن جابر بن عبد الله قال: ” نهى رسول الله –ص- عن المواقعة قبل الملاعبة”.
وهي أمور لم تكتشفها أوربا المسيحية إلا بعد شيخنا بسبعمائة سنة ؟! وما زال الجدل على أشدّه في الكنيسة حول مشروعية الجنس الجاف بل حتى مطلع هذا القرن كانت الزوجة الأمريكية التقيّة تتحرّج من القبلة بشهوة مع زوجها! ودعك من مصّ اللسان، أو ما هو ألذ للزوجين! وقد أشرنا في غير هذا الموضع إلى جواز الاستمناء، بل وأن تساعد الزوجة زوجها على الاستمناء. وقد حُرّم علينا الوطء في فترة الحيض، ولكن الجنس دون الوطء في أيام الحيض، ليس فقط من المباح، بل أذهب إلى أنَّه سُنّة، فقد كان عليه الصلاة والسلام: “يأمر عائشة أن تأتزر ويباشرها” في أيام الحيض. 
وعندنا يُمنع الجنس أثناء الصيام، ولكن الله سبحانه وتعالى ينبهنا إلى أنَّه مباح في ليلة الصيام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. ولم يطلب منهم أكثر من الامتناع عن الجماع وهم “عاكفون في المساجد “وهو طلب معقول جدا ومنطقي.. قال عز وجلّ:
«أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» (البقرة187). 
وقد طلبت زوجة “رفاعة القرظي” الطلاق لصغر عضو زوجها، فحكم لها بذلك. والزوجة لا يجوز لها أن تمتنع عن تلبية رغبة الزوج قال رسول الله : “والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها”. وإذا كان لا يمكن إثبات امتناع الرجل عن قصد .. فإنَّ الشرع قرّر لا ضرر ولا ضرار، واعتبر من الضرر عدم إشباع الحاجة الجنسية للزوجة، ومن ثمَّ لها حق الطلاق سواء كان امتناع الزوج عن عجز أو كراهية أو عن رغبة في الإيذاء والإزعاج.
وإذا كان “الجماع” يجب أنْ تسبقه الملاعبة، فإنَّ مفهوم النصّ والشرح في حديث “الإفضاء” أنَّ التعبير عن الشعور خلال الجماع مباح.. قال رسول الله: “إنَّ من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم يفشي سرّها”.  وشرح الحديث الإمام النووي فقال: “وفي هذا الحديث تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمر الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك، وما يجري من المرأة من قول أو فعل أو نحوه”.
ولا يمكن أنْ يجتمع في تراثنا، كل هذا الغزل إذا كان الجنس مكروهًا في ديننا، أو الحب مريبًا. بل العكس، إنَّ النظرة المتحرّرة إلى الجنس جعلت المسلمين يرون في العشق علاقة نبيلة شريفة، لا يتغنى بها فقط، بل اعتبروا أن الجمع بين العاشقين فضيلة، ومثوبة، يسعى لها أجلاء الصحابة، رضي الله عنهم.

إ . ر

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق